الجصاص
117
الفصول في الأصول
العامي إلى معرفة الحكم كحاجة غيره ، فلا بد من أن يكون منه توقيف الجماعة على الحكم ، على الوجه الذي وصفنا . ألا ترى : أنه لم يكن يختص بتعليم الصلاة والزكاة والصيام وغسل الجنابة - الخاصة دون الكافة . فكذلك سائر ما عممت فيه البلوى ، ودعت الحاجة إليه ، سبيله : أن يكون نقله من طريق التواتر والاستفاضة . وأما ما روى من الأخبار ، وعمل الناس بخلافه : فنحو ما روى عن النبي عليه السلام ( كان يقنت في المغرب وفي سائر الصلوات ) . واتفق أهل العلم على خلافه ، فهو حديث سلمة بن المحبق عن النبي عليه السلام فيمن وقع على جارية امرأته : أنها ( إن طاوعته فهي له ، وعليه مثلها ، وإن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها ) . وكذلك حديث مانع الصدقة ، وآخذ الثمرة من أكمامها ، قد اتفق الناس على العمل بخلافها ، قال عيسى بن أبان : ورد أخبار الآحاد لعلل عليه عمل الناس ، وهو مذهب الأئمة من الصحابة ، ومن بعدهم ، وذكر أخبارا ردها السلف للعلل التي قدمنا ذكرها ، فمنها : ( رد عمر لحديث أبي موسى في الاستئذان ثلاثا ) لأنه مما تعم به البلوى ، وهو في كتاب الله تعالى قال الله تعالى : ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) ( 1 ) فاستنكر عمر انفراد أبي موسى بمعرفة تحديد الثلاث دون الكافة ، مع عموم الحاجة إليه ، فأوعده حتى حضر مجلس الأنصار ، فذكر ذلك لهم فعرفوه ، وقالوا : ( لا يقوم معك إلا أصغرنا ) . فقام أبو سعيد الخدري وأخبره بذلك ، ألا ترى : أنه لو لم يوجد ( 2 ) عبد الرحمن بن عوف ، ولا حمل بن مالك ، وغيرهما ممن كان يرى الخبر الخاص بل كان يقبله منهم ، ويعمل به إذا لم يكن فيه علة يرد من أجلها . فإن قال قائل : فقد قبل عمر خبر أبي سعيد حين شهد لأبي موسى ، ومعلوم أن خبر الاثنين والواحد سواء في عموم وقوع العلم به ، وشرطك في مثله ألا يقبل إلا الخبر المتواتر . قيل له : إن عمر لم يقتصر على خبر أبي سعيد ، لأن أبا سعيد أخبره عن نفسه ، وعن