الجصاص
106
الفصول في الأصول
الشاهدين ، وإن كانا عدلين ، للعلل التي يجب بها رد الأخبار ، كما ترد شهادة الشاهدين ، وإن كانا عدلين ، للعلل التي توجب ردها ، ولا يدل ذلك : على أن شهادة الشاهدين غير مقبولة عند تعريتهما من العلل الموجبة لردها ، ولا يمكن هذا القائل أن يثبت عنهم في ردهم لهذه الأخبار التي ذكروها : أنهم ردوها لأنها أخبار آحاد ، دون أن يكونوا ردوها لعلل أخر غيرها ، على النحو الذي نقوله . ثم لو كان ظاهر ما ورد عنهم من ردهم لهذه الأخبار محتملا أن يكونوا ردوها لعلل أوجبت ردها ، واحتمل أن يكون لأنها أخبار آحاد سقط احتجاجه بها ، إذ ليس هو أسعد بدعواه هذه منا فيما ذكرناه ، فيحتاج حينئذ أن يستدل على خصمه بغيرها ، وعلى أن الدلائل ظاهرة : على أنهم لم يردوها لأنها أخبار آحاد ، لأنهم قد استفاض عندهم قبول أخبار الآحاد في غير ذلك من الأمور ، فدل على صحة ما وصفنا . ونحن نبين مع ذلك وجه كل خبر من هذه الأخبار التي ذكرها . ويدل على أنها لو تعرت مما روى عنهم في قبول أخبار الآحاد ، لما دلت : على أنهم ردوا ما ردوا منها لما ذكره . فنقول وبالله التوفيق : إن قول أبي بكر رضي الله عنه للمغيرة في ميراث الجدة : ائتني . بمن يشهد معك ، حتى شهد معه محمد بن مسلمة رضي الله عنه ، فإن عيسى بن أبان رحمه الله ذكر : أن أبا بكر رضي الله عنه لم يطلب من المغيرة هذا إلا احتياطا ، وإلا قد ضعف الخبر عنده . إما : لعلة لم يعرفها ، وإما : أن يكون المغيرة أخبر : أن ذلك كان بحضرة قوم سمعوه معه ، أو أن يكون أخبر : بأن ذلك كان في وقت قريب بالمدينة ، بحضرة المهاجرين والأنصار ، ولم تكن طالت المدة . ولا يمكن في مقدار ذلك أن يكون قد تفرق من حضره وعلمه ، فقال ( 1 ) أبو بكر : أن تأتني بمن يشهد معك عليه ، فلم يبعد ، ( 2 ) أبو بكر من أن يكون رد خبر المغيرة لعلة أوجبت رده ، لو قد زالت لقد كان خبره عنده مقبولا . وقد روى أن أبا بكر الصديق قضى بقضية بين قوم . فقال بلال رحمه الله : أشهد أنهم اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه ه وسلم فقضى في ذلك بينهم بخلاف ذلك ، فردهم أبو بكر ونقض قضاءه ، وقضى بينهم بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد قضى أبو بكر بخبر بلال وحده ،