السيد ابن طاووس
344
مصباح الزائر
خَابَ الْوَافِدُونَ عَلَى غَيْرِكَ ، وَخَسِرَ الْمُتَعَرِّضُونَ إِلَّا لَكَ ، وَضَاعَ الْمُلِمُّونَ إِلَّا بِكَ ، وَأَجْدَبَ الْمُنْتَجِعُونَ إِلَّا مَنِ انْتَجَعَ فَضْلَكَ . بَابُكَ مَفْتُوحٌ لِلرَّاغِبِينَ ، وَجُودُكَ مُبَاحٌ لِلسَّائِلِينَ ، وَإِغَاثَتُكَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُسْتَغِيثِينَ . لَا يَخِيبُ مِنْكَ الْآمِلُونَ ، وَلَا يَيْأَسُ مِنْ عَطَائِكَ الْمُتَعَرِّضُونَ ، وَلَا يَشْقَى بِنَقِمَتِكَ الْمُسْتَغْفِرُونَ . رِزْقُكَ مَبْسُوطٌ لِمَنْ عَصَاكَ ، وَحِلْمُكَ مُتَعَرِّضٌ لِمَنْ نَاوَاكَ ، عَادَتُكَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيئِينَ ، وَسُنَّتُكَ الْإِبْقَاءُ عَلَى الْمُعْتَدِينَ ، حَتَّى لَقَدْ غَرَّتْهُمْ أَنَاتُكَ عَنِ النُّزُوعِ ، وَصَدَّهُمْ إِمْهَالُكَ عَنِ الرُّجُوعِ ، وَإِنَّمَا تَأَنَّيْتَ بِهِمْ لِيَفِيئُوا إِلَى أَمْرِكَ ، وَأَمْهَلْتَهُمْ ثِقَةً بِدَوَامِ مُلْكِكَ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ خَتَمْتَ لَهُ بِهَا ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ خَذَلْتَهُ لَهَا . كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى ظِلِّكَ ، وَأُمُورُهُمْ آيِلَةٌ إِلَى أَمْرِكَ ، لَمْ يُهَنْ عَلَى طُولِ مُدَّتِهِمْ سُلْطَانُكَ ، وَلَمْ يُدْحَضْ لِتَرْكِ مُعَاجَلَتِهِمْ بُرْهَانُكَ . حُجَّتُكَ قَائِمَةٌ لَا تَحُولُ ، وَسُلْطَانُكَ ثَابِتٌ لَا يَزُولُ ، فَالْوَيْلُ الدَّائِمُ لِمَنْ جَنَحَ عَنْكَ ، وَالْخَيْبَةُ الْخَاذِلَةُ لِمَنْ خَابَ مِنْكَ ، وَالشَّقَاءُ الْأَشْقَى لِمَنِ اغْتَرَّ بِكَ ، مَا أَكْثَرَ تَصَرُّفَهُ فِي عَذَابِكَ ! وَمَا أَطْوَلَ تَرَدُّدَهُ فِي عِقَابِكَ ! وَمَا أَبْعَدَ غَايَتَهُ مِنَ الْفَرَجِ ! وَمَا أَقْنَطَهُ مِنْ سُهُولَةِ الْمَخْرَجِ ! عَدْلًا مِنْ قَضَائِكَ لَا تَجُورُ فِيهِ ، وَإِنْصَافاً مِنْ حُكْمِكَ لَا تَحِيفُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ ظَاهَرْتَ الْحُجَجَ ، وَأَبْلَيْتَ الْأَعْذَارَ ، وَقَدْ تَقَدَّمْتَ بِالْوَعِيدِ ، وَتَلَطَّفْتَ فِي التَّرْغِيبِ ، وَضَرَبْتَ الْأَمْثَالَ ، وَأَطَلْتَ الْإِمْهَالَ ، وَأَخَّرْتَ وَأَنْتَ مُسْتَطِيعٌ لِلْمُعَاجَلَةِ ، وَتَأَنَّيْتَ وَأَنْتَ مَلِيٌّ بِالْمُبَادَرَةِ . لَمْ تَكُنْ أَنَاتُكَ عَجْزاً ، وَلَا إِمْهَالُكَ وَهْناً ، وَلَا إِمْسَاكُكَ غَفْلَةً ، وَلَا إِنْظَارُكَ مُدَارَاةً ، بَلْ لِتَكُونَ حُجَّتُكَ الْأَبْلَغُ ، وَكَرَمُكَ الْأَكْمَلُ ، وَإِحْسَانُكَ الْأَوْفَى ، وَنِعْمَتُكَ الْأَتَمُّ ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ وَلَمْ تَزَلْ ، وَهُوَ كَائِنٌ وَلَا تَزُولُ . نِعْمَتُكَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُوصَفَ بِكُلِّهَا ، وَمَجْدُكَ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يُحَدَّ بِكُنْهِهِ ، وَنِعْمَتُكَ