السيد ابن طاووس

194

مصباح الزائر

وَغَيْظاً أَدْخَلُوهُ عَلَى عَدُوِّنَا . أَرَادُوا بِذَلِكَ رِضْوَانَكَ ، فَكَافِهِمْ عَنَّا بِالرِّضْوَانِ ، وَاكْلَأْهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَاخْلُفْ عَلَى أَهَالِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمُ الَّذِينَ خُلِّفُوا أَحْسَنَ الْخَلَفِ ، وَاصْحَبْهُمْ ، وَاكْفِهِمْ شَرَّ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، وَكُلِّ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِكَ وَشَدِيدٍ ، وَشَرَّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَأَعْطِهِمْ أَفْضَلَ مَا أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُرْبَتِهِمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ ، وَمَا آثَرُونَا بِهِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ وَقَرَابَاتِهِمْ . اللَّهُمَّ إِنَّ أَعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيْهِمْ خُرُوجَهُمْ ، فَلَمْ يَنْهَهُمْ ذَلِكَ عَنِ النُّهُوضِ وَالشُّخُوصِ إِلَيْنَا ، خِلَافاً مِنْهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا . فَارْحَمْ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي غَيَّرَتْهَا الشَّمْسُ ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتِي تَقَلَّبُ عَلَى قَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْأَعْيُنَ الَّتِي جَرَتْ دُمُوعُهَا رَحْمَةً لَنَا ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتِي جَزِعَتْ وَاحْتَرَقَتْ لَنَا ، وَارْحَمْ تِلْكَ الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنَا . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ تِلْكَ الْأَنْفُسَ وَتِلْكَ الْأَبْدَانَ ، حَتَّى تُرَوِّيَهُمْ مِنَ الْحَوْضِ يَوْمَ الْعَطَشِ » « 1 » . قَالَ : فَمَا زَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لَهُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، لَوْ أَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْكَ كَانَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَظَنَنْتُ أَنَّ النَّارَ لَا تَطْعَمُ مِنْهُ شَيْئاً أَبَداً ، وَاللَّهِ لَقَدْ تَمَنَّيْتُ أَنِّي كُنْتُ زُرْتُهُ وَلَمْ أَحُجَّ . فَقَالَ : « مَا أَقْرَبَكَ مِنْهُ ! فَمَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ زِيَارَتِهِ يَا مُعَاوِيَةُ ؟ وَلِمَ تَدَعُ ذَلِكَ ؟ » . قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، لَمْ أَدْرِ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا كُلَّهُ . قَالَ : « يَا مُعَاوِيَةُ وَمَنْ يَدْعُو لِزُوَّارِهِ فِي السَّمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْعُو لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ؟ ! لَا تَدَعْهُ لِخَوْفٍ مِنْ أَحَدٍ ، فَمَنْ تَرَكَهُ لِخَوْفٍ رَأَى مِنَ الْحَسْرَةِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّ قَبْرَهُ نَبَذَهُ . أَمَا تُحِبُّ أَنْ يَرَى اللَّهُ شَخْصَكَ وَسَوَادَكَ مِمَّنْ يَدْعُو لَهُ رَسُولُ اللَّهِ

--> ( 1 ) في نسخة « ه » زيادة : الأكبر .