السيد ابن طاووس

155

مصباح الزائر

عَنْهُ ، أَقَامَهُ فِي سَائِرِ عَالَمِهِ فِي الْأَدَاءِ مَقَامَهُ ، إِذْ كَانَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ، وَلَا تَحْوِيهِ خَوَاطِرُ الْأَفْكَارِ ، وَلَا تُمَثِّلُهُ غَوَامِضُ الظَّنِّ فِي الْأَسْرَارِ . لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ ، قَرَنَ الِاعْتِرَافُ بِنُبُوَّتِهِ بِالاعْتِرَافِ بِلَاهُوتِيَّتِهِ ، وَاخْتَصَّهُ مِنْ تَكْرِمَتِهِ بِمَا لَمْ يَلْحَقْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَرِيَّتِهِ . فَهُوَ أَهْلُ ذَلِكَ بِخَاصَّتِهِ وَخَلَّتِهِ ، إِذْ لَا يَخْتَصُّ مَنْ يَشُوبُهُ التَّغْيِيرُ وَلَا يُخَالِلُ مَنْ يَلْحَقُهُ التَّظْنِينُ . وَأُمِرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَزِيداً فِي تَكْرِمَتِهِ ، وَتَطْرِيقاً لِلدَّاعِي إِلَى إِجَابَتِهِ ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَرَّمَ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ مَزِيداً لَا يَلْحَقُهُ التَّفْنِيدُ وَلَا يَنْقَطِعُ عَلَى التَّأْبِيدِ . وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَصَّ لِنَفْسِهِ بَعْدَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ بَرِيَّتِهِ خَاصَّةً عَلَاهُمْ بِتَعْلِيَتِهِ ، وَسَمَا بِهِمْ إِلَى رُتْبَتِهِ ، وَجَعَلَهُمُ الدُّعَاةَ بِالْحَقِّ إِلَيْهِ ، وَالْأَدِلَّاءَ بِالْإِرْشَادِ عَلَيْهِ ، لِقَرْنٍ قَرْنٍ وَزَمَنٍ زَمَنٍ . أَنْشَأَهُمْ فِي الْقِدَمِ قَبْلَ كُلِّ مُذْرِءٍ وَمُبْرِءٍ أَنْوَاراً أَنْطَقَهَا بِتَحْمِيدِهِ ، وَأَلْهَمَهَا بِشُكْرِهِ وَتَمْجِيدِهِ ، وَجَعَلَهَا الْحُجَجَ لَهُ عَلَى كُلِّ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِمَلَكَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَسُلْطَانِ الْعُبُودِيَّةِ ، وَاسْتَنْطَقَ بِهَا الخرسات [ الْخُرْسَانَ ] بِأَنْوَاعِ اللُّغَاتِ بُخُوعاً لَهُ بِأَنَّهُ فَاطِرُ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ ، وَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهُ ، وَوَلَّاهُمْ مَا شَاءَ مِنْ أَمْرِهِ . جَعَلَهُمْ تَرَاجِمَةَ مَشِيئَتِهِ ، وَأَلْسُنَ إِرَادَتِهِ ، عَبِيداً لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ « 1 » . يَحْكُمُونَ بِأَحْكَامِهِ ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ ، وَيَعْتَمِدُونَ حُدُودَهُ ، وَيُؤَدُّونَ فُرُوضَهُ . وَلَمْ يَدَعِ الْخَلْقَ فِي بُهْمٍ صَمَّاءَ ، وَلَا فِي عَمًى بَكْمَاءَ ، بَلْ جَعَلَ لَهُمْ عُقُولًا مَازَجَتْ شَوَاهِدَهُمْ ، وَتَفَرَّقَتْ فِي هَيَاكِلِهِمْ ، حَقَّقَهَا فِي نُفُوسِهِمْ ، وَاسْتَعْبَدَ لَهَا حَوَاسَّهُمْ ، ( فَقَرَّتْ بِهَا ) « 2 » عَلَى

--> ( 1 ) سورة الأنبياء 21 : 27 و 28 . ( 2 ) في مصباح المتهجّد : فقر بها .