السيد ابن طاووس ( مترجم : قيومى )

345

ترجمه مهج الدعوات و منهج العنايات

قال الربيع : فما استتمّ الكلام حتّى أتت رسل المنصور ، تقفو أثري وتعلم خبري ، فرجعت فأخبرته بما كان فبكى ، ثمّ قال : ارجع إليه وقل له : الأمر في لقائك إليك والجلوس عنّا ، وأمّا النّسوة اللّاتي ذكرتهنّ فعليهنّ السّلام فقد آمن اللّه روعهنّ وجلا همّهنّ . قال : فرجعت إليه فأخبرته بما قال المنصور . فقال : « ( قل ) « 1 » له : وصلت رحما وجزيت خيرا . » ثمّ اغرورقت عيناه حتّى قطر من الدّمع في حجره قطرات ، ثم قال : « يا ربيع ! إنّ هذه الدّنيا وإن أمتعت ببهجتها وغرّت بزبرجها « 2 » ، فإنّ آخرها لا بدّ وأن يكون كآخر الرّبيع الّذي يروق « 3 » بخضرته ، ثمّ يهيج « 4 » عند انتهاء مدّته ، وعلى من نصح لنفسه وعرف حقّ ما عليه وله أن ينظر إليها نظر من عقل « 5 » عن ربّه جلّ وعلا وحذّر سوء منقلبه ، فإنّ هذه الدّنيا قد خدعت قوما فارقوها أسرع ما كانوا إليها وما كانوا اغتباطا بها ، طرقتهم آجالهم بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون ، فكيف أخرجوا عنها وإلى ما صاروا بعدها ، أعقبتهم الألم وأورثتهم النّدم وجرّعتهم مرّ المذاق وغصّصتهم بكأس الفراق ، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عينا بها ! أما رأى مصرع آبائه ومن سلف من أعدائه وأوليائه ؟ ! يا ربيع ! أطول بها حسرة « 6 » وأقبح بها كثرة وأخسر بها صفقة وأكبر بها ترحة « 7 » ، إذا عاين المغرور بها أجله وقطع بالأمانيّ أمله ، وليعمل على أنّه أعطي أطول الأعمار وأمدّها وبلغ فيها جميع الآمال ، هل قصاراه إلّا الهرم أو

--> ( 1 ) - ليس في « م » والبحار . ( 2 ) - الزّبرج : الزينة والحلية من جوهر أو وشي أو غير ذلك . ( 3 ) - راقه : أعجبه . ( 4 ) - هاج النبت : يبس . ( 5 ) - في « ط » : أن لا ينظر إليها نظر من غفل . ( 6 ) - في « ع » : حيرة . ( 7 ) - التّرح : الهمّ والحزن .