عبد الملك الثعالبي النيسابوري

4

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

وعرض عليّ أبو نصر المصعبي كتابا للصاحب بخطه إلى حسام الدولة أبي العباس تاش الحاجب في معنى القاضي أبي الحسن ، وهذه نسخته بعد الصدر والتشبيب : « قد تقدم وصفي للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز أدام اللّه تعالى عزه فيما سبق إلى حضرة الأمير الجليل صاحب الجيش أدام اللّه تعالى علوه من كتبي ما أعلم أني لم أؤد فيه بعض الحق ، وإن كنت دللته على جملة تنطق بلسان الفضل وتكشف عن أنه من أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم ، فأما موقعه مني فالموقع تخطبه هذه المحاسن وتوجبه هذه المناقب ، وعادته معي أن لا يفارقني مقيما وظاعنا « 1 » ومسافرا وقاطنا ، واحتاج الآن إلى مطالعة جرجان بعد أن شرطت عليه تصيير المقام كالإلمام ، فطالبني مكاتبتي بتعريف الأمير مصدره ومورده ، فإن عنّ له ما يحتاج إلى عرضه وجد من شرف إسعافه ما هو المعتاد ليستعجل انكفاءه إليّ بما يرسم أدام اللّه أيامه من مظاهرته على ما يقدم الرحيل ويفسح السبيل من بدرقة « 2 » إن احتاج إليها وإلى الاستظهار بها ، ومخاطبة لبعض من في الطريق بتصرف النجح فيها ، فإن رأى الأمير أن يجعل من حظوظي الجسيمة عند تعهد القاضي أبي الحسن بما يعجل رده ، فإني ما غاب كالمضل الناشد ، وإذا عاد كالغانم الواجد ، فعل أن إن شاء اللّه تعالى . ولما عمل الصاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوىء المتنبي عمل القاضي أبو الحسن كتاب ( الوساطة بين المتنبي وخصومه في شعره » فأحسن وأبدع وأطال وأطاب ، وأصاب شاكلة الصواب « 3 » ، واستولى على الأمد في فصل الخطاب ، وأعرب عن تبحره في الأدب ، وعلم العرب ، وتمكنه من جودة الحفظ

--> ( 1 ) ظاعنا : من الظعن وهو الارتحال . ( 2 ) البدرقة أو البذرقة : الخفارة ، أو الجماعة التي تتقدم القافلة لحراستها . ( 3 ) شاكلة الصواب : مذهب الحق وطريقه .