عبد الملك الثعالبي النيسابوري
347
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
كبطون الحيات ، في صفاء ماء الحياة ، وقد فغمني من نسيم هوائها عرف المسك السحيق ، بالعنبر العتيق . فاستطبت المكان ، وتصورت منه الجنان ، وفزعت إلى كتاب أدب كنت أستصحبه لأخذ الفال على المقام والارتحال ، ففتحت أول سطر من الصفحة عن بيت شعر وهو [ من مجزوء الكامل ] : وإذا انتهيت إلى السلا * مة في مداك فلا تجاوز فقلت : هذا واللّه الوحي الناطق ، والفأل الصادق ، وقد تقدمت بعطف ضبني إليها « 1 » . وعشت ستة أشهر بها في أنعم عيش وأرخاه ، وأهنأ شرب وأمراه . إلى أن أتاني كتاب الأمير في استدعائي إلى حضرته بتبجيل وتأميل ، وترتيب وترحيل ، فنهضت وحظيت بما حظيت منها إلى يومي هذا ، فكان اختياره ذلك أحد ما استدل به ذلك الأمير على رأيه وتدبيره ورزانته ، ودرجه به إلى محله ومكانته ، وصار من بعد ينظم بأقلامه ، منثور الآثار عن حسامه ، وينسج بعباراته . وشي فتوحه ومقاماته ، وهلم جرا إلى زمان السلطان المعظم يمين الدولة وأمين الملة . وقد كتب له عدة فتوح ، قال في أحد كتبها : كتبت وقد هبت ريح النصرة من مهبها ، والأرض مشرقة بنور ربها . إلى أن زحزحه القضاء عن خدمته ، ونبذه إلى ديار الترك عن غير قصده وإرادته ، فانتقل بها إلى جوار ربه في سنة أربعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . * * *
--> ( 1 ) بعطف ضبني : أي بالاتجاه ناحيتها وحطّ الرحال فيها .