عبد الملك الثعالبي النيسابوري
299
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فقلت : أنا معنى هذا البيت ، لأني قاعد في البيت ، آكل طيب الطعام ، وألبس لين الثياب ، ويفاض عليّ بذل ، ولا يفوّض إليّ شغل . ويملأ لي وطب « 1 » ، ولا يدفع بي خطب ، هذا واللّه عيش العجائز ، والزمن العاجز . ومنها : الرأس - أيد اللّه الأمير ! - كثير الخبوط . والضيف كثير التخليط ، وصب هذا الماء خير من شربه . وبعد هذا الضيف أولى من قربه ، وكأني بالأمير يقول ، إذا قرئت عليه هذه الفصول : الهمذاني رأى بهذه الحضرة من الإنعام ، ما لم يره في المنام ، فكيف من الأنام ، ولعله أنشأ هذا الكتاب سكران ، فعدل به عادل السكر ، عن طريق الشكر ، وكأنه نسي مورده ، الذي أشبه مولده ، وإنما رفع لحنه ، حين أشبع بطنه ، واللئيم إذا جاع ابتغى . وإذا شبع طغى ، والهمذاني لو ترك بجلدته ، يرقص تحت رعدته . ما ارتقى في قعدته . ولا تجشّا من معدته . ولكنه حين لبس الحلة . وركب البغلة . وملك الخيل والخول ، تمنى الدول ، ورأس اليتيم يحتمل الوهن « 2 » ، ولا يحتمل الدهن ، وظهر الشقي يحتمل عدلين من الفحم ، ولا يحمل رطلين من الشحم ، ولولا الشعير ، ما نهقت الحمير ، ولو لم يتسع حاله ، لم يتسع مجاله . وكذا الكلب يزمن « 3 » ، حين يسمن ، ولا يتبع ، حين يشبع . وعند الجوع ، يهم بالرجوع . فصل من كتاب إلى أبي نصر بن أبي زيد كتابي أطال اللّه بقاء الشيخ وفرحي في كريم يحضر ذلك الجناب فيحسن المناب . ولا أعدم إن شاء اللّه بتلك الساحة الكريمة ، من يتحلى بهذه الشيمة ، على أن الطباع إلى الذم أميل ، والعقرب إلى الشر أقرب ، واللسان بالقدح أجرى
--> ( 1 ) الوطب : وعاء اللبن . ( 2 ) الوهن : الضعف في الأمر والبدن . ( 3 ) يزمن : يمرض .