عبد الملك الثعالبي النيسابوري

294

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدىء بآخر سطر منه ثم هلم جرا إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه ، ويوشح القصيدة الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة من إنشائه ، فيقرأ من النظم والنثر ، ويروي من النثر والنظم . ويعطي القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة ، ويقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنثر فيرتجله في أسرع من الطرف ، على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه . وكلامه كله عفو الساعة ، وفيض البديهة ، ومسارقة القلم ، ومسابقة اليد ، وجمرات الحدة ، وثمرات المدة ، ومجاراة الخاطر للناظر ، ومباراة الطبع للسمع ، وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغريبة ، بالأبيات العربية ، فيجمع فيها بين الإبداع والإسراع ، إلى عجائب كثيرة لا تحصى ، ولطائف يطول أن تستقصى . وكان - مع هذا كله - مقبول الصورة خفيف الروح ، حسن العشرة ، ناصع الظرف ، عظيم الخلق ، شريف النفس كريم العهد ، خالص الود ، حلو الصداقة ، مر العداوة . وفارق همذان سنة ثمانين وثلاثمائة وهو مقتبل الشبيبة غض الحداثة ، وقد درس على أبي الحسين بن فارس وأخذ عنه جميع ما عنده واستنفد علمه واستنزف بحره ، وورد حضرة الصاحب أبي القاسم فتزود من ثمارها وحسن آثارها ، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتعيش في أكنافهم والاقتباس من أنوارهم واختص بأبي سعد محمد بن منصور أيده اللّه تعالى ، ونفقت بضائعه لديه ، وتوفر حظه من عادته المعروفة في إسداء المعروف والإفضال على الأفاضل ، ولما استقرت عزيمته على قصد نيسابور أعانه على حركته ، وأزاح علله في سفرته . فوافاها في سنة اثنين وثمانين وثلاثمائة ، ونشر ما بزّه ، وأظهر طرزه . وأملى أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام ، وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام ، وجد يروق فيملك القلوب ، وهزل يشوق فيسحر العقول ، ثم شجر بينه