عبد الملك الثعالبي النيسابوري
230
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فصل في اقتضاء حاجة وعد الشيخ يكتب على الجلمد ، إذا كتب وعد غيره على الجمد ، ولكن صاحب الحاجة سئ الظن بالأيام ، مريض الثقة بالأنام ، لكثرة ما يلقاه من اللئام ، وقلّة من يسمع به من الكرام . فصل في ذكر آفات الكتب هذا والكتاب ملقى لا موقى ، تسرع إليه اليد الخاطئة ، وتعرض له الآفات السانحة ، فالماء يغرقه ، كما أن النار تحرقه ، والريح تطيره ، كما أن الأيام تغيّره ، والدخان يسود بياضه ، كما أن الخل يبيض سواده ، والرطوبة تضره ، كما أن اليبوسة لا تنفعه ، فآفاته أسرع من آفات الزجاج الذي يسرع إليه الكسر ، ويبطىء عليه الجبر ، وحوادثه أكثر من حوادث الغنم التي هي لكل يد غنيمة ولكل سبع فريسة ، فأقل آفانه خيانة الحامل ، ووقوع الشاغل ، وعوائق الفتوح والقوافل . فصل في ذكر إلا ولولا الحمد للّه الذي جعل الشيخ يضرب في المحاسن بالقدح المعلى ، ويسمو منها إلى الشرف الأعلى . ولم يجعل فيه موضعا للولا ، ولا مجالا لإلا . فإن الاستثناء إذا اعترض في المدح أنضب ماءه وكدر صفاءه . وأنطق فيه حساده وأعداءه ، وكذلك قالوا : ما أملح الظبي لولا خنث أنفه « 1 » ، وما أحسن البدر لولا كلف وجهه « 2 » ، وما أطيب الخمر لولا الخمار ، وما أشرف الجود لولا الإقتار ، وما أحمد مغبة الصبر لولا فناء العمر ، وما أطيب الدنيا لو دامت [ من البسيط ] :
--> ( 1 ) الخنث : أي تكسّر وانثناء . ( 2 ) الكلف : ما يظهر في الوجه من بقع .