عبد الملك الثعالبي النيسابوري

187

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

ولما دخل بخارى لقي أبا الحسن عبد اللّه بن أحمد بقصيدته التي منها [ من الطويل ] : وليل كأنّي فيه إنسان ناظر * يقلّب في الآفاق جفنيه دانيا إذا ما أمالتني به نشوة الكرى * تمايل في كفّي المثقّف صاحيا وإن ما طمي لجّ المنى بين أضلعي * تعسّفت لّجا من دجى الليل طاميا « 1 » فأمسى شجا في ظلمة الليل والجا * وأضحى قذى في مقلة الصبح غاديا « 2 » حسامي نديمي والكواكب روضتي * وبيت السّرى ساقي والسير راجيا ولما رأى الشيخ الجليل إقامتي * عليه وتطليقي لديه المهاريا دعاني وأدناني وقرب منزلي * ورحّب بي وانتاشني واصطفانيا « 3 » همام يبكّي المشرفية ساخطا * ويضحك أبكار الأماني راضيا ولو أن بحرا يستطيع ترقيا * إليه لأمّ البحر جدواه راجيا وبقصائد غيرها ، فتقبله بكلتا اليدين ، وأعجب منه بفتى من أولاد الخلافة يملأ العين جمالا والقلب كمالا ، وواصل صلاته ، وخلع عليه ، وألحقه في الرزق السلطاني بمن كان هناك من أولاد الخلفاء كابن المهدي وابن المستكفي وغيرهما . ولما قام أبو الحسن المزني مقام العتبي زاد المأموني إكراما وإجلالا وأفضل عليه إفضالا بسبب مناسبة الآداب التي هي من أوكد الأسباب وأقرب الأنساب . ولما كانت أيام ابن عزيز وأيام الدامغاني وأيام أبي نصر بن أبي زيد جعل كل منهم يربي على من تقدمه في الإحسان إليه ، وإدرار الرزق عليه ، وإخراج الخلع

--> ( 1 ) لجّ : ألج ، واللّجّ : معظم الماء ، وطما : ارتفع موجه وغمر ماؤه ما حوله . ( 2 ) الشّجا : ما اعترض في الحلق من عظم أو نحوه والقذى : ما وقع في العين من وسخ وغيره . ( 3 ) انتاش : طلب ، واصطفى : اختار .