عبد الملك الثعالبي النيسابوري

465

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

ولمه أنكرت على العجلي معروفا ، واعترفت لحمزة بن الحسين ما أنكره على أبي تمام في زعمه أن في كتابه تكريرا وتصحيفا وإيطاء وإقواء ونقلا لأبيات عن أبوابها إلى أبواب لا تليق بها ولا تصلح لها إلى ما سوى ذلك من روايات مدخولة ، وأمور عليلة ، ولمه رضيت لنا بغير الرضى ؟ وهلا حسبت على إثارة ما غيبته الدهور ، وتجديد ما أخلقته الأيام ، وتدوين ما نتجته خواطر هذا الدهر ، وأفكار هذا العصر ، على أن ذلك لو رامه رائم لأتعبه ، ولو فعله لقرأت ما لم ينحط عن درجة من قبله ، من جد يروعك ، وهزل يروقك ، واستنباط يعجبك ، ومزاح يلهيك ! وكان بقزوين رجل معروف بأبي محمد الضرير القزويني حضر طعاما وإلى جنبه رجل أكول فأحس أبو حامد بجودة أكله ، فقال [ من الرجز ] : وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأنّ في أمعائه معاوية فانظر إلى وجازة هذا اللفظ ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنب معاوية ، وهل ضر ذلك أن لم يقله حماد عجرد وأبو الشمقمق ؟ وهل في إثبات ذلك عار على مثبته ؟ أو في تدوينه وصمة على مدونيه ؟ وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشي القزويني ، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلا عليه عمامة سوداء وطيلسان أزرق وقميص شديد البياض وخفّه أحمر ، وهو مع ذلك كله قصير ، على برذون أبلق « 1 » هزيل الخلق طويل الحلق ، فقال حين نظر إليه [ من السريع ] : وحاكم جاء على أبلق * كعقعق جاء على لقلق « 2 » فلو شاهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدت للشاعر بصحة التشبيه وجودة

--> ( 1 ) أبلق : الذي في لونه بياض وسواد . ( 2 ) العقعق : طائر يشبه الغراب ، واللقلق : طائر بحجم الإوزة طويل العنق والساقين « البجع » .