عبد الملك الثعالبي النيسابوري

295

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

بل أصفه بترك الوصف فأخباره آثاره ، وعينه فراره « 1 » ، وحقا أقول إني لا أحسب أحدا ما خلا الملوك جمع من المصاحف ما جمعت ، وابتدع في استكتابها ما ابتدعت ، وإن هذا المصحف لزائد على جميعها زيادة القرعة على الغرة ، بل زيادة الحج على العمرة . لقد أهديته علقا نفيسا * وما يهدي النّفيس سوى النّفيس « 2 » فصل من كتاب له إلى ابن العميد صدر جوابا عن كتابه إليه في وصف البحر ، وكان أبو بكر الخوارزمي يحفظه ، وكثيرا ما كان يقرؤه ويعجب السامعون من فصاحته ، ولم أره يحفظ من الرسائل غيره : وصل كتاب الأستاذ الرئيس صادرا عن شط البحر بوصف ما شاهد من عجائبه ، وعاين من مراكبه ، ورآه من طاعة آلاته للرياح كيف أرادتها ، واستجابة أدواتها لها متى نادتها . وركوب الناس أشباحها والخوف بمرأى ومسمع ، والمنون بمرقب ومطلع ، والدهر بين أخذ وترك ، والأرواح بين نجاة وهلك ، إذا أفكروا في المكاسب الخطيرة هان عليهم الخطر ، وإذا لاحت لهم غرر المطالب الكثيرة ، حبب إليهم الغرر « 3 » ، وعرفت ما قاله من تمنيه كوني عند ذلك بحضرته وحصولي على مساعدته ، ومن رأى بحر الأستاذ كيف يزخر بالفضل وتتلاطم فيه أمواج الأدب والعلم لم يعتب على الدهر فيما يفتيه من منظر البحر ، ولا فضيلة له عندي أعظم من إكبار الأستاذ لأحواله ، واستعظامه لأهواله ، كما لا شيء أبلغ في مفاخره وأنفس في جواهره ، من وصف الأستاذ له فإني قرأت منه الماء السلسال . لا الزلال ، والسحر الحرام ، لا الحلال ، وقد علم أنه كتب ولما أخطر بفكره سعة

--> ( 1 ) هذه الفقرة من قولهم في مثل « إن الجواد عينه فراره » . ( 2 ) البيت من الوافر ، والعلق : النفيس الثمين . ( 3 ) الغرر : الخطر والمهالك .