عبد الملك الثعالبي النيسابوري
292
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
ومن كتاب مداعبة اللّه اللّه في أخيك ، لا تظهر كتابه فيحكم عليه بالماليخوليا « 1 » وبالتخاييل الفاسدة ، فقد ذكر جالينوس أن قوما يبلغ بهم سوء التخيل ، أن يقدروا أجسامهم زجاجا فيجتنبوا ملامسة الحيطان خشية أن يتكسروا . وحكى أن قوما يظنون أنفسهم طيورا فلا يغتذون إلا القرطم « 2 » ، والحظ كتابي دفعة ثم مزقه ، فلا طائل فيه ولا عائد له ولا فرج عنده ، وعلى ذكر الفرج فقد كانت بهمذان شاعرة مجيدة تعرف بالحنظلية وخطبها أبو علي كاتب بكر ، فما ألح عليها وألحف كتبت إليه [ من مجزوء الرجز ] : أيرك أير ما له * عند حرّي هذا فرج « 3 » فاصرفه عن باب حرّي * وادخله من حيث خرج هذه واللّه في هذين البيتين أشعر من كبشة أم عمرو ، والخنساء أخت صخر ، ومن كعوب الهذلية ، وليلى الأخيلية « 4 » . ومن فقر رسائله من سائر الفنون رسالة كتبها إلى أبي علي الحسن بن أحمد في شأن أبي عبد اللّه محمد بن حامد ، وسمعت الأمير أبا الفضل عبيد اللّه بن أحمد يسردها ، فزادني جريها على لسانه وصدورها عن فمه إعجابا بها ، وهي : كتابي هذا وقد أرخى الليل سدوله ، وسحب الظلام ذيوله ، ونحن على الرحيل غدا إن شاء اللّه إذا مد الصباح غرره ، قبل أن يسبغ حجوله . ولولا ذاك
--> ( 1 ) الماليخوليا : أحد الأمراض العصبية . ( 2 ) القرطم : نبات يتخذ منه صبغ أحمر . ( 3 ) الحرّ : بضع المرأة . ( 4 ) كعوب الهذلية وليلى الأخيلية : من النساء الشاعرات .