عبد الملك الثعالبي النيسابوري

222

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

الدولة واحتقاده عليه لأشياء كثيرة في أيام أبيه وبعدها ، منها ممايلته بختيار ، ومنها ميل القواد إليه ، بل غلوهم في موالاته ومحبته ، ومنها ترفعه عن التواضع له في مكاتباته ، واجتمعت آراء الأخوين على اعتقاله ، وأخذ أمواله . ولما اعتقل في بعض القلاع بدرت منه كلمات نمّت إلى عضد الدولة ، فزادت في استيحاشه منه ، وأنهض من حضرته من طالبه بالأموال ، وعذبه ومثل به ، ويقال : إنه سمل احدى عينيه ، وقطع أنفه ، وجز لحيته ، ففي تلك الحال يقول أبو الفتح وقد يئس من نفسه ، واستأذن في صلاة ركعتين ، فصلاهما ودعا بدواة وقرطاس وكتب [ من السريع ] : بدّل من صورتي المنظر * لكنّه ما غيّر المخبر ولست ذا حزن على فائت * لكن على من لي يستعبر وواله القلب لما مسّني * مستخبر عنّي ولا يخبر فقل لمن سرّ بما ساءنا * لا بد أن يسلك ذا المعبر وأخبرني أبو جعفر الذي قدمت ذكره ، وكان مختصا به . قال : كان أبو الفتح قبيل النكبة التي أتت على نفسه . قد أغرى بإنشاد هذين البيتين ، لا يجف لسانه من ترديدهما في أكثر أوقاته وأحواله ، ولست أدري أهما له أم لغيره [ من الرمل ] : دخل الدنيا أناس قبلنا * رحلوا عنها وخلّوها لنا فنزلناها كما قد نزلوا * ونخلّيها لقوم بعدنا فلما حصل في الاعتقال ، واستيقن أن القوم يريدون دمه لا محالة ، وأنه لا ينجو منهم وإن بذل ماله ، مد يده إلى جيب جبة عليه ففتقه عن رقعة فيها ثبت ما لا يحصى من ودائعه وكنوز أبيه وذخائره ، فألقاها في كانون نار بين يديه ، وقال للقائد الموكل به المأمور بقتله بعد مطالبته : اصنع ما أنت صانع فو اللّه لا يصل من أموالي المستورة إلى صاحبك دينار واحد ، فما زال يعرضه على العذاب ، ويمثل