عبد الملك الثعالبي النيسابوري
194
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
واستدراجا لك ، فإن يشأ اللّه يرشدك ، ويأخذ بك إلى حظك ويسددك ، فإنه على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير . * * * فصل منها وزعمت أنك في طرف من الطاعة ، بعد أن كنت متوسطها ، وإذا كنت كذلك فقد عرفت حاليها ، وحلبت شطريها . فنشدتك اللّه لما صدقت عما سألتك . كيف وجدت ما زلت عنه ؟ وكيف تجد ما صرت إليه ؟ ألم تكن من الأول في ظلّ ظليل ، ونسيم عليل ، وريح بليل ، وهواء عذى « 1 » وماء روي ، ومهاد وطي ، وكنّ كنين « 2 » ، ومكان مكين ، وحصن حصين . يقيك المتالف « 3 » ، ويؤمنك المخاوف . ويكنفك من نوائب الزمان ، ويحفظك من طوارق الحدثان ، عززت به بعد الذلة ، وكثرت بعد القلة ، وارتفعت بعد الضعة ، وأيسرت بعد العسرة ، وأثريت بعد المتربة « 4 » ، واتسعت بعد الضيقة ، وظفرت بالولايات ، وخفقت فوقك الرايات ، ووطئ عقبك الرجال ، وتعلّقت بك الآمال ، وصرت تكاثر ويكاثر بك ، وتشير ويشار إليك ، ويذكر على المنابر اسمك ، وفي المحاضر ذكرك . ففيم الآن أنت من الأمر ؟ وما العوض عما عددت ، والخلف مما وصفت ؟ وما استفدت حين أخرجت من الطاعة نفسك ، ونفضت منها كفّك ، وغمست في خلافها يدك ؟ وما الذي أظلّك بعد انحسار ظلّها عنك ؟ أظلّ ذو ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب ؟ قل نعم ! كذلك ،
--> ( 1 ) العذى : الهواء الخالص . ( 2 ) الكنّ : الحصن والستر . ( 3 ) المتالف : الأذى والضّرر . ( 4 ) المتربة : الفقر .