عبد الملك الثعالبي النيسابوري

54

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

كل كافر ومسلم ، مساور للأساورة ، ومجرد له على الجبابرة ، يتكفن بأرفع الثياب ، ويهتك كل حجاب ، ولا يحفل ببواب ، يرد مناهل العيش العذبة ، ويصل إلى الأحراج الرطبة ، لا يمنع منه أمير ، ولا ينفع فيه غيرة غيور . وهو أحقر حقير ، شره مبثوث ، وعهده منكوث ، وكذلك كل برغوث . كفى بهذا نقصانا للإنسان ، ودلالة على قدرة الرحمن . وقوله في صفة بعوضة : مالكة لا حس لها سواها ، تحقرها عين من رآها ، تمشي إلى الملك بندبها ، وتضرب بحبوحة داره بطلبها ، تؤذيه بإقبالها ، وتعرفه بإراقة مالها ، فتعجز كفه ، وترغم أنفه ، وتضرج خده ، وتفري لحمه وجلده ، زجرتها تسليمها ، ورمحها خرطومها ، تذلل صعبك إن كنت ذا قوة وعزم ، وتسفك دمك وإن كنت ذا حلفة « 1 » وعسكر ضخم ، تنقض العزائم وهي منقوضة ، وتعجز القوى وهي بعوضة ، ليرينا اللّه عجائب قدرته ، وضعفنا عن أضعف خليقته . وله يصف ثعلبا : أدهى من عمرو ، وأفتك من قاتل حذيفة بن بدر . كثير الوقائع في المسلمين ، مغري بإقامة ذم المؤمنين ، إذا رأى الفرصة انتهزها ، وإن طلبته الكماة أعجزها ، وهو مع ذلك بقراط في إدامه ، وجالينوس في اعتدال طعامه . غذاؤه حمام ودراج ، وعشاؤه بذرح « 2 » ودجاج . وله يصف ماء : كأنه عصير صباح ، أو ذوب قمر لياح ، له من إنائه ، انصباب الكوكب الدري من سمائه ، العين كانونه ، والقمر عفريته . كأنه خيط من غزل قلق ، أو مخصرة ضربت من ورق ، يترفع عنك فتردى ، ويصدع به قلبك فتحيا .

--> ( 1 ) الحلفة : من الحلف ، وهو المعاهدة والاتفاق على المساعدة . ( 2 ) الذرح : اللبن الذي مزج فيه الماء .