عبد الملك الثعالبي النيسابوري
377
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
الإنسان ألذ من كفه وبنانه ، وكان في ذلك اليوم الذي شارف فيه طلائع العسكر المنصور باب عمان ثار من بعض المكامن طوائف من أولئك الكلاب فكبا ببعض الغلمان دابته فاختلسوه واقتسموه بينهم وأكلوه في الوقت ، وتعجب الناس من ضراوتهم وقساوتهم ، وقد أبادهم اللّه تعالى جده وطهر البر والبحر من عبثهم ومعرتهم ، فانقاد أهل جبال عمان باخعين بالطاعة ، معتصمين بذمة الجماعة ، وتمت نعمة اللّه على مولانا في هذا الفتح وكملت له مغانم الأجر ، ووصل أمس غنائم تلك الناحية وفيها فيل صغيره بقدر الفرس . ما عهد ألطف ولا أظرف منه ، وفي الغنائم كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، واللّه تعالى يجني مولانا ثمار الأرض برا وبحرا ، سهلا ووعرا ، بمنه وكرمه آمين . ومن كتاب له إلى ذي الكفايتين أبي الفتح : فأما استبطاؤه لعبده في تراخي ما كان مستشرفا من جهته ، لعلمه من أخبار حضرة مولانا الملك وما عليه حاله في مساورة الإشفاق ، ومسامرة الأفكار . إلى أن يعرف خبر الخيل المنصورة المصاحبة ركاب مولانا في سلامتها من وقدة تلك الهواجر ، ووعورة تلك المسالك ، وما تولى اللّه تعالى مولانا به من كفايته ، وأفاء عليه من ظل حفظه وحراسته ، فقد وقفت عليه وكنت طالعت حضرته بكتب جمة تقر بها العيون ، ويفاد بمثلها السكون . وانتظرت بالشرخ حال الاستقرار ، واستجماع الدار . ليكون ما أطالع به ناهضا بما أنحوه ، ومغنيا عما يتلوه ، من غير فكر في عوادي الأسفار ، وعواقب الحل والترحال ، إلى ما اعتمدته من التخفيف لتكافؤ الأحوال بنا وبه في المسير ، ومناصبة الهجير . وأنا الآن أعود لعادتي في خدمته ، واستعمار عهدي من رأيه بمواصلة حضرته . ومن كتاب له إلى أبي إسحاق الصابي : علمت كيف تنتظم فرق البلاغة ، وتلتقي طرق الخطابة ، وتتراءى أشخاص البيان ، وتتمايل اعطاف الحسن والإحسان . وقرأت لفظا جليا ، حوى معنى