عبد الملك الثعالبي النيسابوري

296

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

افترض على من طاعتهما اشتطاطا مني في شرائط أحببت أن تجتمع لي في الخبيئة التي أواصلها ، وقلما تتكامل إلا فيمن طهر اللّه أصله ، وجمل أمره وأظهر فضله . وقد دعاني بالدعاء إلى ذلك كثير من الرؤساء الأكابر وذوي الأخطار والأفاضل . بفارس والبصرة وبغداد ، فامتنعت من أجل شذوذ بعض شرائطي عليهم ، حتى إذا أوجدنيها اللّه في جهتك الجليلة ، وجمعها لي في منازلك المصونة ، بعثتني البواعث وحفزتني الحوافز إلى أن يتألف بيننا الشمل ، ويتصل بنا الحبل ، فكتبت إليك هذه الرقعة خاطبا إليك كريمتك فلانة ، على أن أكون لها كالجفن الواقي لمقلته ، والصدر الحاوي لمهجته ، ولك كالولد المطيع لأبيه ، ولأخيها كالأخ المعاضد لأخيه ، فإن رأيت يا سيدي أن تتأمل ما كتبت به من هذه الجملة ، وتسمع من موصلها ما تجمله عني من تفصيلها ، وتتوخى بإجابتي إلى ما سألت تحقيق ظني ، وتصديق أملي ، فعلت إن شاء اللّه . فصل من عهد للخليفة إلى قاض وأمره أن يجلس للخصوم ، وقد نال من المطعم والمشرب طرفا يقف به عند أول حد من الكفاية ، ولا يبلغ منه إلى آخر النهاية ، وأن يعرض نفسه على أسباب الحاجة كلها ، وعوارض البشرية بأسرها ، لئلا يلم به من ذلك ملم ويطيف به طائف ، فيحيلانه عن رشده ، ويحولان بينه وبين سداده . فصل في ذكر تقليد المطيع ابنه الطائع ما كان إليه من الخلافة ولما صار في السن العليا ، والعلة العظمى ، بحيث يحرج أن تقيم معه على إمامة قد كل عن تحمل كلها ، وضعف عن النهوض بعبئها وحملها ، خلع ذلك السربال على أمير المؤمنين الطائع للّه ، خلع الناض إليه ، والمسلم عليه .