عبد الملك الثعالبي النيسابوري

8

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

تلك المحاسن وكدّر صفاءها وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها واستهدف لسهام العائبين وتحكك بألسنة الطاعنين » وهكذا فإن الثعالبي لم يقتصر في اليتيمة على الترجمة الخالصة وتسجيل النصوص ، بل كان له رأي خاص يمثّل ذوقه الأدبي وحسّه الشعريّ ، وهذا الرأي مبنيّ على خبرة واسعة واطلاع عميق استطاع بهما أن يصل إلى تعليلات موفقة لم تجانب الصواب ، بل حالفته وعمّقته وأرشدت إليه في كثير من الأحيان ، إلّا أنّه في تعليلاته ونقداته لم يخرج عمّا تعارف عليه الذوق النقدي العربي القديم ، الذي كان ينظر إلى القصيدة بيتا بيتا وبناء مفكّكا يفصل فيه البيت عن سابقه وتاليه ، ويركّز على استعمالات الألفاظ واختيار المعاني ، ولا يشير إلى البناء الكلّي للقصيدة ذلك البناء الذي يتحد فيه اللفظ والمعنى ليؤدّيان الصورة الفنّية الممتعة ، فقد ظلّ الشعر في نظره لفظا ومعنى لا عملا فنّيا متكاملا تجمعه وحدة عضوية متماسكة . بعد هذا العرض يمكننا أن نقول : إن اليتيمة كتاب هام لا غنى عنه لكلّ من يتعانى الأدب ويسلك دروبه لأنّه يعرفنا بالنقلة التي وصل إليها الشعر في عصره ، سواء من حيث النوعية أو الكميّة فضلا عن تقديمه ترجمة وافية لكثير من شعراء العربية الذين لولا الجهد المشكور الذي بذله أبو منصور ، لظلّ أكثرهم في عالم المجهول والنسيان . . . واللّه من وراء القصد وهو وليّ التوفيق د . مفيد محمد قميحة