عبد الملك الثعالبي النيسابوري
5
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
استهلّه في شبابه ، وقد قسّم الرجل كتابه إلى أقسام أربعة وأردفه بعد مدّة بقسم خامس ، لم يكن أهل الأدب واللغة قد اطلعوا عليه وقد نشر هذا القسم في طهران ، وفيه تتمات لما جاء في الأقسام السابقة له ، بحيث تضمّن أبوابا ثلاثة حملت العناوين التالية : « تتمّة القسم الأول في محاسن أهل الشام والجزيرة ، وتتمة القسم الثاني في محاسن أشعار أهل العراق ، وتتمة القسم الثالث في محاسن أهل الرّي وهمدان وأصفهان وساير بلاد الجبل » وقد قدّم الثعالبي في هذه الأقسام تراجم لشعراء عدّة يظهر أنّهم كانوا أقلّ شهرة من الذين ترجم لهم في الأقسام الأربعة السابقة فألحقهم بهذا القسم بعد أن تمكّن من الوقوف على نماذج من أشعارهم . أمّا غاية الكتاب فهي خدمة اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم ، عن طريق الشعر الذي يرى فيه فضلا وعلما وتقدّم مكانة ، يقول في مقدمته « ولمّا كان الشعر محمدة الأدب وعلم العرب الذي اختصوا به دون سائر الأمم ، وبلسانهم جاء كتاب اللّه المنزل على النّبي فيهم المرسل ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، كانت أشعار الاسلاميين أرقّ من أشعار الجاهليين وأشعار المخضرمين ، ثم كانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن ، وأنظم للطائف البدائع من أشعار سائر المذكورين ، ولانتهائها إلى أبعد غايات الحسن ، وبلوغها أقصى درجات الجودة والظرف ، تكاد تخرج من باب الاعجاب إلى الاعجاز ، ومن حدّ الشعر إلى السحر فكأن الزمان ادّخر لنا من نتائج البراعة وأوفرها نصيبا من كمال الصنعة ورونق الطلاوة » وهكذا فإن الثعالبي يتقدّم لتصنيف عمله وإتمامه مدفوعا برغبة داخلية قويّة قوامها الحبّ للعربية والإدراك العميق لأبعاد الكلمة وأثرها البعيد الغور في ال ؟ ؟ ؟ الانسانية التي قدّر لها نصيب من الحسّ والرّفاهية والذوق . . والثعالبي في اليتيمة لم يقتصر على الترجمة المحضة والاستشهاد بالنصوص الشعرية ، بل نراه يورد آراء نقدية قيّمة وتعليلات أدبية ممتعة تنمّ عن ذوق أدبيّ رفيع ، كما يعمد في كثير من الأحيان إلى المقارنة والموازنة بين من يترجم له وبين غيره