عبد الملك الثعالبي النيسابوري

19

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

وقعت باخرة إليه ، وزيادات جمة عليه حصلت من أفواه الرواة لديه ، فقال : إن كان لهذا الكتاب محل من نفوس الأدباء ، وموقع من قلوب الفضلاء ، كالعادة فيما لم يقرع من قبل آذانهم ، ولم يصافح أذهانهم ، فلم لا أبلغ به الذي يستحق به حسن الإحماد ويستوجب من الاعتداد أوفر الأعداد ، ولم لا أبسط فيه عنان الكلام ، وأرمي في الإشباع والإتمام هدف المرام ، فجعل يبنيه وينقضه ، ويزيده وينقصه ، ويمحوه ويثبته ، وينتسخه ثم ينسخه ، وربما افتتحه ولا يختتمه ، وينتصفه فلا يستتمه ، والأيام تحجز ، وتعد ولا تنجز ، إلى أن أدرك عصر السن والحنكة ، وشارف أوان الثبات والمسكة ، فاختلس لمعة من ظلمة الدهر ، وانتهز رقدة من عين الزمان ، واغتنم نبوة من أنياب النوائب ، وخفة من زحمة الشوائب ، واستمر في تقرير هذه النسخة الأخيرة ، وتحريرها من بين النسخ الكثيرة ، بعد أن غير ترتيبها ، وجدد تبويبها ، وأعاد ترصيفها ، وأحكم تأليفها ، وصار مثله فيها كمثل من يتأنق في بناء داره التي هي عشه ، وفيها عيشه » « 1 » وكان من آثار هذه العناية وهذا الجهد أن رأى كتابه « يسحر العقول ، ويملك القلوب ، ويعجب الملوك كما يعجب الرعية ، ويحسن أثره على الشعراء كما يطيب ثمره للكتاب ، ويسير في الآفاق مسير الأمثال ، ويسري في البلاد مسرى الخيال ، ولقي أعيان الفضل وأفراد الدهر أطلب له من طير الماء للماء ، وأحرص عليه من المرضى على الشفاء » « 2 » ومع هذا كله لم يكن الكتاب قد أشبع نهمته ، ولا سدّ الفراغ الذي قدر أن يسده ، وهذا شأن أهل العلم في كل عصر : ما يزال أحدهم يجد ويدأب حتى يظن أنه استولى على الغاية وأوفى على الأمد ، ثم يظهر له ما يرى معه أنه لا يزال في أول الطريق ، وهذا هو الذي وقع لأبي منصور فقد « وقع له على الأيام ما ينخرط في سلك اليتيمة ، ويصلح للالحاق به ، ولا يسوغ تأخيره عن أخواته ، سيما وقد خلا منه مكان قوم من السادة والكبراء لا مترك لثمار خواطرهم ووسائط قلائدهم »

--> ( 1 ) أنظر ( ص 5 و 6 ج 1 ) . ( 2 ) من مطلع مقدمته لكتابه تتمة اليتيمة ( ص 1 ج 1 طبع طهران ) .