ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
تقديم 9
الوشى المرقوم في حل المنظوم
كما ذهب ابن خالدون ت 808 ه [ المقدمة ص 577 ] . أما اعتبار الصياغة اللفظية الخاصة هي محور المزية ومناط الأدبية والشعرية فحسبنا تأكيدا لما أعلنه الجاحظ كلمات الآمدي وأبى هلال وابن رشيق : أما الآمدي فيطالعنا بأن الشعر عند أهل العلم به ليس « إلا حسن التأتّى وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها » [ الموازنة 1 / 423 ] وأن البلاغة « إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة » [ الموازنة 1 / 424 ] وأن « حسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنا ورونقا حتى كأنه أحدث فيه غرابة لم تكن وزيادة لم تعهد » [ الموازنة 1 / 425 ] . وأما العسكري فقد صرّح ب « أن أعظم مدار البلاغة على تحسين اللفظ » [ الصناعتين 201 ] . ويقول : « ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعاني فقط لأن الردىء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام ، وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مطالعه وحسن مقاطعه وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله وفهم منشئه ، وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى اللفظ دون المعاني » [ الصناعتين ص 64 ] . وجاء في العمدة أن « أكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى » وينقل ابن رشيق عن بعض العلماء قوله : « اللفظ أغلى من المعنى ثمنا وأعظم قيمة وأعز مطلبا » كما ينقل عن عبد الكريم النهشلي قوله : « الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل » [ العمدة 1 / 127 ] . هكذا ينحصر محور المزية في الصياغة اللفظية الخاصة ، بها يتميز الأدب عن غير الأدب ، وبها يتميز أدب عن أدب وأديب عن أديب ، وهي نتيجة ترتب عليها خروج عنصر المعنى من ساحة القيمة ومن النقاش حوله ، لا باعتباره مكوّنا أدبيا وإنما باعتباره معطى اجتماعيّا لا دور للأديب في إيجاده ، ولا فضل للنصّ من حيث هو أدب في الاشتمال عليه ، أو على قبيل منه دون آخر . هذه النظرة إلى المعنى أعفته من الخضوع لسلطة الناقد ، أو - على الأقل -