ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
61
الوشى المرقوم في حل المنظوم
ولا غرضا ، ولا سئمت طولا ولا عرضا . ولم أرح ركابى إلا ريثما نأكل علالة ، ونتقمم من بقايا الزاد حثالة » « 1 » . ويمضى قائلا : « لكن رقبت أسباب المخافة ، وأشفقت من نفاد الزاد لبعد المسافة ، فأخذتها بالأعمال الدءوب ، وأفت بين أشباحها وبين السهوب . . . ثم وردت الفرات أجرّ الركاب وكأنما تمشى على أبصارها ، وفي الأكباد حرارة أوام لا تقى حمته بإطفاء نارها ، فعند ذلك حرمت ظهورها على الرحال » « 2 » . ثمّ ها هو ذا يحكى عن حالة البؤس التي وصل إليها عندما وصل أرض الخابور ، ويلوذ بالبكاء ، ولم يعد بنفسه من الصبر شيء ، ويزيد عذابه - إضافة لما أصابه من الهم والحزن والهرب خشية القتل - فراقه الأفضل على ما بينهما من الود والصحبة ، وما فعله معه من تقديمه على من سواه لهذا كان البكاء ، وإفلاس القدرة على مواصلة المسير في طريق هربه من دمشق إلى الموصل . يقول ابن الأثير : « ثمّ نزلت أرض الخابور ؛ فعزبت الأرواح ، وشرقت الجسوم ، وحصل الإعدام من المسارّ والإثراء من الهموم ، وطالبتنى النفس بالعود والقدرة مفلسة . وأويت إلى ظل الآمال ، والآمال مشمسة ، وتبلد خاطري ، وبراعة المشتاق أن يتبلد ، وفزعت إلى الدموع ، وأجدر بلوعة تطفئ الدمع أن تتوقد ، وناديت صبري ؛ فما أجاب . وفندت جزعي فما تفند ، وما يلام محزون فارق جنة وحريرا ، وترك نعيما وملكا كبيرا . . . وليس الأسى على مال ، وإن فارقت منه مغربه . ولا على جاه ، وإن خلعت رداء معلما ، وأياما مذهبة . بل على صحبة ملك قدمني على أصحابه وإن كنت متأخر الصحبة ، وغادرنى من برّه في وطن ، وإن كنت مقيما في دار غربة ، وبسط لي قلبا ولسانا ويدا ، وأفسد نظري علىّ ؛ فلم أر بعده أحدا . ولقد كنت أجفوه فلا يجفو ، وأكدر عليه فيصفو . ومتى طلبت جزيلة أعطاها ، وإن رأى حسنة كشفها ، أو رأى سيئة غطاها » « 3 » .
--> ( 1 ) السابق / 100 . ( 2 ) السابق الصفحة نفسها . ( 3 ) السابق ص 100 و 101 .