ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
43
الوشى المرقوم في حل المنظوم
لقد كان القاضي الفاضل محبا للأدباء النابهين النابغين ؛ فكان يقربهم ، ولم يكن يخشى قط على مكانه ومكانته عند صلاح الدين ؛ فقد قال العماد : « فدخل الفاضل إلى السلطان ، وعرّفه أنّه فىّ راغب . . . وقال : أنا لا يمكنني الملازمة الدائمة في كل سفرة ، وقد يكاتبك ملوك الأعاجم ، ولا تستغنى في الملك عن عقد الملطفات ، وحل التراجم ، والعماد يفي بذلك ، ولك أختاره ، وقد عرف في الدولة النورية مقداره ، وأخذ لي خط السلطان بما قرره لي من شغلى » « 1 » . ويورد ابن تغرى بردى ما يؤكد أن الفاضل هو الذي تدخل لدى السلطان لاستكتاب العماد يقول : « فدخل القاضي الفاضل على السلطان صلاح الدين وقال : غدا تأتيك تراجم الأعاجم وما يحلها مثل العماد الكاتب ، فقال ما لي عنك مندوحة . أنت كاتبى ووزيري ، وقد رأيت على وجهك البركة . فإذا استكبرت غيرك تحدّث الناس ، فقال الفاضل : هذا يحلّ التراجم وربما أغيب أنا ولا أقدر على ملازمتك فإذا غبت قام العماد الكاتب مقامي وقد عرفت فضل العماد . . . فاستكتبه » « 2 » . إذن فالقاضي الفاضل هو الذي يقرر من يعاونه في ديوان الإنشاء ، ومن لا يريد معاونته ، ونجد أن العماد : « علل إعراض صلاح الدين عنه أول الأمر بقول حساده عند صلاح الدين أن العماد يصبو إلى منصب كتابة الإنشاء . والسلطان يأتمن عليها الفاضل ، وهو بالمنزلة الرفيعة عنده ، فلجأ العماد إلى الفاضل لينصره عند السلطان ، وليبعد الشبهة عنه » « 3 » . هذه هي الإجابة عن السؤال الأول فالقاضي الفاضل لا يخشى ناشئة المنشئين ، وبالتالي يقرب منهم من يرى فيه نبوغا . أما الإجابة عن السؤال الثاني ؛ فنجدها في رسائل ضياء الدين بن الأثير نفسه ، نستوضح منها مكانة القاضي الفاضل وقدره عند ابن الأثير .
--> ( 1 ) الروضتين في أخبار الدولتين 2 / 388 ، وراجع الأدب في العصر الأيوبي / 213 . ( 2 ) النجوم الزاهرة 6 / 74 . ( 3 ) الأدب في العصر الأيوبي / 212 .