ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

32

الوشى المرقوم في حل المنظوم

أكاد أؤكد أن الحقيقة هي أنه أتم الكثير من محصوله العلمي في مسقط رأسه في جزيرة ابن عمر ، خاصة أنه قضى بها واحدا وعشرين عاما من عمره ، وإن كان قد اختلف إلى بعض أساتذة وشيوخ الموصل ليفيد من خبراتهم وعلومهم . نعود إلى الموصل التي انتقل إليها في ظل والد يتولى إدارة الخزانة العامة وزعيم على قدر عظيم من النباهة والذكاء يتولى تدبير أمور الأتابكية هو مجاهد الدين قايماز الزيني ، فيعمل الابن الأكبر « أبو السعادات بن الأثير الجزري كاتبا ومنشئا عنه إلى الملوك » « 1 » . ولم يكن غريبا أن ينضم أبو الفتح ضياء الدين بن الأثير إلى قافلة المتدربين بين يدي أخيه . يقول ضياء الدين على لسان القاضي الفاضل « وكان من العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئا من علم الأدب ، أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ، ويتدرب ، ويرى ، ويسمع » « 2 » . وهذا الكلام يؤكد أن هذه العادة متأصلة فيمن يعمل بالدواوين عموما ، إذ تدرب ابن الأثير في بادئ الأمر بين يدي أخيه ؛ ثم التحق بخدمة مجاهد الدين قايماز كاتبا نجد مصداق ذلك في رسالة صدرها ابن الأثير بقوله : « كتاب كتبه عن نفسه إلى الأمير مجاهد الدين قايماز زعيم الموصل ، وكان في خدمته ، فنزغ الشيطان بينه وبينه ففارقه ، وسار إلى الشام ، واتصل بخدمة الملك الأفضل علي بن يوسف ، فنال منه حظا ، وأصدر هذا الكتاب ، يتضمن ملامة وعتابا . . . فإني أسلفت حقوق صحبة ألحقتني بذوي الأرحام ، ووشائج مودة تبقى بقاء الأرواح إذا بقي غيرها بقاء الأجسام ، ووسائل خدمة لو وفدت على ربها في القيامة لأشركها في الصلاة والصيام . وما كنت أظن أن صبغة هذه الذرائع تنصل ، ولا أن حقوقها تبطل ، كيف ولها الأسباب الوكيدة في المنزلين السهل والخشن ، والحالين السرور والحزن ، ولو كانت المودات تنال بالاكتساب لظفر المجتهد فيها بنجح الطلاب ، ولكنها كالأرزاق يعطاها المقيم القاعد ، ويحرمها الظاعن الجاهد ، ولكن علمت أن

--> ( 1 ) السابق 4 / 83 . ( 2 ) انظر ص 180 من نص التحقيق .