ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
15
الوشى المرقوم في حل المنظوم
ولأهمية الكتابة والكتاب في دواوين الملوك ؛ فقد اعتبر كتّاب العربية العظماء هذه المهنة صناعة لا بدّ لمن يمتهنها أن يتقنها ، وأن يكون حاذقا بها . فهذا عبد الحميد الكاتب - كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية - يخاطب الكتاب قائلا : « حفظكم اللّه يا أهل هذه الصناعة ، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم ، فإن اللّه جل وعز جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين ، صلوات اللّه عليهم أجمعين ، ومن بعد الملوك المكرمين سوقا - أي أصنافا - ، وصرّفهم في صنوف الصناعات التي سبّب منها معاشهم ، فجعلكم معشر الكتّاب في أشرفها صناعة » « 1 » . إذن فكلمة « الكتابة » إذا ذكرها الذاكرون ؛ لم تكن لتعنى شيئا آخر سوى هذه المهنة التي يشغلها الكاتب في ديوان الرسائل ، أو على الأصوب ديوان الإنشاء « فالكتابة وإن كثرت أقسامها وتعددت أنواعها لا تخرج عن أصلين هما كتابة الإنشاء وكتابة الأموال وما في معناهما . . . إلا أن العرف في ما تقدم من الزمان قد خص لفظ الكتابة بصناعة الإنشاء حتى كانت الكتابة إذا أطلقت لا يراد بها غير كتابة الإنشاء والكاتب إذا أطلق لا يراد به غير كاتبها » « 2 » . إن كتاب العربية العظماء اتخذوا من تجربتهم في هذه الصناعة نبراسا يضيئون من خلاله الطريق لمن يريد أن يمتهنها ، ويفصلون القول في كيفية تعلم هذه الصناعة « 3 » . ومرجع ذلك هو أهميتها ، ولأن « كاتب الإنشاء هو الذي يمثل لكل عامل في تقليده ما يعتمد عليه ، ويتصفح ما يرد منه ويصرفه بالأمر والنهى على ما يؤدى إلى استقامة ما علق به وهو حلية المملكة وزينتها لما يصدر عنه من البيان الذي يرفع قدرها ويعلى ذكرها ويعظم خطرها ويدل على فضل ملكها وهو المتصرف عن السلطان في الوعيد والترغيب والإحماد والإذمام واقتضاب المعاني التي تقر الوالي على ولايته وطاعته وتعطف العدو العاصي عن عداوته ومعصيته » « 4 » .
--> ( 1 ) السابق / 74 . ( 2 ) صبح الأعشى 1 / 82 . ( 3 ) من الكتب التي تناولت تعليم الكتابة كصناعة : البيان والتبيين للجاحظ ، وأدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري ، والصناعتين لأبى هلال العسكري ، ونثر النظم وحل العقد للثعالبي . ( 4 ) صبح الأعشى 1 / 86 .