ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

130

الوشى المرقوم في حل المنظوم

« معجب بنفسه في حياته ، مستبد برأيه في سياسته ، ولذلك نراه معجبا بعلمه في مثله ، ، مستبدا برأيه في نقده » « 1 » ؛ فنجده يقول : « والذي ذكرته أنا في هذا الموضع ألطف وأحسن وإن كان أصله منه » « 2 » . إن اعتداده بذاته يصل إلى حد أنه تناول « الكتاب والشعراء وعلماء اللغة بالنقد والتجريح ، وهو على الكتّاب أشد وطأة منه على الشعراء ، أما علماء البلاغة فلم يعجبه أحد منهم ، أما الساجعون فلا يروق له من سجعهم غير القليل » « 3 » . والأمر غير الخفي هو أن « إنشاء ابن الأثير يمثل نفسه ، وإذا كان الإنشاء عصارة نفس المنشئ ؛ فابن الأثير في حياته مستبد مغرور ، وفي إنشائه معجب بنفسه فخور ، وإذا كان أسلوب الكاتب بضعة من فؤاده ؛ فأسلوب ابن الأثير يمثل نفسه المعجبة إلى درجة الغرور ، ولذلك لا يفتأ يتحدث عن نفسه وعلمه ويتغنى بمقدرته وسعة اطلاعه ، ويفتخر بابتداعه واختراعه ، وهو يعلو على من سبقه ويسبق من ألّف قبله : « وقد هداني اللّه لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة ، ومنحنى درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة ؛ وإنما متبعة » ، وقال : « وهذا شيء لم ينتبه عليه أحد غيرى » ، وقال : « لقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها ، وأظفرتنى بكنوز جواهرها ، إذ لم يظفر غيرى إلا بأحجارها » « 4 » . وإن كان ما يقوله حنا نمر يصدق في كثير منه بالنسبة لكتابات ابن الأثير إلا أن إعجابه - نكاد نؤكد - يمثل اعتدادا بذاته ؛ وليس غرورا ؛ إذ نجده يعترف بأنه أخذ عن فلان أو فلان « وهذه المعاني المذكورة غريبة لم أسمعها ، إلا أن حاشية منها تسارق النظر إلى بيت من الشعر لأبى الطيّب المتنبّى . . . وهذا نظر من خصاصات الستور ؛ وما أقول إنه مغامزة العيون ؛ بل مناجاة بوحي الصدور » « 5 » . أضف إلى ذلك شخصيته المحبة الوفية المخلصة لمن عمل في خدمتهم كاتبا

--> ( 1 ) دراسات في الأدب والفن لحنا نمر / 118 . ( 2 ) انظر 267 . ( 3 ) دراسات في الأدب والفن لحنا نمر / 119 . ( 4 ) السابق / 121 . ( 5 ) انظر ص 326 .