ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
128
الوشى المرقوم في حل المنظوم
الاعتداد بالذات المعارف الأصيلة التي اكتسبها في سنى حياته الباكرة ، والمعارف الأخرى التي اتخذها سبيلا للتفوق والتميز في مضمار الكتابة ، تدفعنا دفعا إلى نقطة أخرى في شخصية ابن الأثير ، وهي الاعتداد بالذات . لقد دفعت ابن الأثير عبقريته دفعا في هذا الاتجاه « وليس كل صاحب موهبة كبيرة بمستغل مواهبه الفطرية الاستغلال الأمثل . وقد لا تقتصر العبقرية على ما عناه كارلايل « القدرة الفائقة على تجشم العناء » بل إن المسألة ، على وجه اليقين هي أن الإنجازات العظيمة تتطلب تفانيا وتركيزا لفترات طويلة من الزمن ، بل إن كثيرا من الناس ، أيا كانت موهبتهم ، ليسوا على استعداد لتكريس أنفسهم بكل إخلاص لأهداف تعود عليهم بعائدات قليلة مباشرة » « 1 » . ويمكن القول : إن ابن الأثير يمثل العبقرية الابتكارية ، وهي « ليست أكثر من استمرار فعالية صفات الطفولة في حياة الراشدين الكبار » « 2 » ، فتقدم العمر ؛ لم يزده إلا صلابة ، مع استمرار لمشاعر « التعجب والدهشة وحبّ الاستطلاع والفضول ، الميل إلى التجربة ، التنقيب والبحث والاستكشاف ، سرعة الخاطر والفطنة » « 3 » هذه الصفات العبقرية هي التي جعلته يؤلف كتبه في الفترة التي استقر خلالها في الموصل ، ومن بينها كتاب « الوشى المرقوم » . فمن وجهة أن ضياء الدين تجشم العناء ، فللحقيقة إنه لاقى الكثير من العناء ،
--> ( 1 ) العبقرية : تاريخ الفكرة / 299 ، تحرير : بنيلوبى مرّى ، ترجمة : محمد عبد الواحد محمد ، مراجعة : د . عبد الغفار مكاوى . سلسلة عالم المعرفة الكويت العدد 208 ذو القعدة 1416 ه - أبريل / نيسان 1996 . ( 2 ) عالم الفكر ، المجلد 15 / العدد الرابع / 80 ، يناير - فبراير - مارس 1985 / بحث ديناميات العبقرية للدكتور محمد أحمد سلامة . ( 3 ) السابق الصفحة نفسها .