ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
124
الوشى المرقوم في حل المنظوم
ويؤكد الشيخ شاكر أن كل ذلك ينبنى على فطرة سليمة تجعل الإنسان منذ مولده « سريع الاستجابة لكل ما يلبى حاجة هذه الفطرة الخفية الكامنة في أغواره . وكل ما يلبى هذه الحاجة هو الذي هدى اللّه عباده أن يسمّوه « الدين » « 1 » . « والطور الثاني : فروع منبثقة عن هذه الأصول المكتسبة بالنشأة . وهي تنبثق حين يخرج الناشئ من إسار التسخير إلى طلاقة التفكير . وإنما سمّيت « الطور الأول » : « إسار التسخير « لأنه طور لا انفكاك لأحد من البشر منه منذ نشأته في مجتمعه . فإذا بلغ مبلغ الرجال استوت مداركه ، وبدأت معارفه يتفصّى بعضها من بعض ، أو يتداخل بعضها في بعض ، ويبدأ العقل عمله في الاستقلال بنفسه ، ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفحص ، ومعالجة التعبير عن الرأي الذي هو نتاج مزاولة العقل لعمله ، فعندئذ تتكون النواة الجديدة لما يمكن أن يسمّى « ثقافة » . وبيّن أن سبيله إلى تحقيق ذلك هو « اللغة » و « المعارف » الأول التي كانت في طورها الأول مصبوغة بصبغة « الدين « لا محالة . . . هذه حال النشء الصغار حتى يبلغوا منزلة الإدراك المستقل المفضى إلى حيز « الثقافة » « 2 » . لقد كان هذا المدخل ضروريا قبل الحديث عن الموروث الثقافي لدى ابن الأثير من خلال كتابه « الوشى المرقوم في حل المنظوم » . فإننا نجد من خلال النظر في هذا التعريف الذي ساقه الشيخ محمود محمد شاكر لكلمة « الثقافة » صدى واسعا مؤسسا في عقل وقلب الضياء بن الأثير ، ويتضح ذلك جليا من خلال ما عرفناه عن نشأته الأولى سواء تلك التي كانت في مسقط رأسه بجزيرة ابن عمر ، حيث تلقى علومه الأولى ، أو التي كانت بالموصل بعد انتقال والده بالأسرة إليها ، حين اختلف إلى شيوخها هو ، وأخوه عز الدين بن الأثير صاحب الكامل . لقد وجد الضياء أبا يضع نصب عينيه تعليم أولاده تعليما لا يبلغه أحد غيرهم ، لذلك وجدنا كلا منهم إماما في بابه . فقد انقسم التعليم إلى مراحل ، يوضحها
--> ( 1 ) السابق الصفحة نفسها . ( 2 ) السابق / 74 .