ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
114
الوشى المرقوم في حل المنظوم
الأدهى مما سبق أن الصراع كان دائرا بالفعل بينهما عن دراية ومعرفة - لدى المعتدلين - بضوابط ومزايا ومثالب كل منهما ، وتحول الأمر الآن إلى جهل مطبق باختراع ما يسميه بعض العجزة ب « قصيدة النثر » ولست أدرى من أين لهم هذه التسمية ؟ ! . فالسابقون حددوا لكل فن طرقه التي تميزه على الآخر ، بغض النظر عن تقديم أحدهما على الآخر . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ؛ بل ينكر هؤلاء كل صلة لهم بتراثنا العربي الحي النابض منذ خطته قرائح الشعراء والكتاب ، ويتنقصون كتاباتهم ، ويصفونهم بالجهل والعجز ، ولا نجد أفضل من توصيف « الدكتور أبى همام « للدافع الذي يجعلهم ينساقون وراء أوهامهم بقوله : « وهناك نوع آخر من الانتقاصات مبعثها - فيما نعتقد - خمود الهمم ، وتعود الكسل ، وعدم المعرفة الحقيقية بدقائق العلم ، والرغبة غير المقصودة في تعويد التلاميذ على الركود » « 1 » . ولم يقتصر هذا العجز على النثر فقط ؛ إنما تخطاه إلى الشعر ، فظهر ما يطلق عليه الشعر الحداثى - كما يحلو للبعض أن يردد هذا الاصطلاح على كل شعر يخرج على المألوف في منظومة الشعر العربي - الذي أدى إلى الحالة المرضية الأسوأ « في شعر الحداثة العربية المعاصرة ، إذ نواجه في الغالب بغياب الموضوع عن النص الشعرى ، فلا يعرف المتلقى عمّ يتحدث الشاعر ، ولا فكرته التي يعالجها ؟ . . . وغياب الموضوع أو الفكرة الرئيسة من النص يعنى حضور أبرز أسباب الغياب الدلالى فيه . كما يعنى في الوقت نفسه غياب أهم إضاءة يستعين بها مستقبل النص على كشف أبعاده الدلالية . والمتلقى في هذه الحالة يجهل ما تحيل إليه لغة النص . ولغة النص نفسها تبدو معزولة عن السياق الموضوعي » « 2 » . والخطأ الأكبر الذي وقع فيه هؤلاء الحداثيون هو حدوث « الارتماء الكامل في
--> ( 1 ) أدب ونقد ص 130 ، للدكتور عبد اللطيف عبد الحليم ، ط 2 سنة 1994 ، توزيع النهضة المصرية - القاهرة . ( 2 ) الإبهام في شعر الحداثة : العوامل والمظاهر واليات التأويل ص 179 ، د . عبد الرحمن محمد القعود ، سلسلة عالم المعرفة - الكويت - مارس 2002 .