ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
73
الوشى المرقوم في حل المنظوم
لهزّها ، غير أنها طموح الزمام ، تذر المطىّ خلفها صفا وهي أمام . لا تخوّر السير لها جسما ، ولا بدل جهلها حلما . كأن لها منه مقاما مريحا ، أو مرادا فسيحا . وأنا فوقها لا نجىّ إلا عضب الحدّ ولدن الكعوب ، ولا صاحب إلا بلغة العيش والسّرى والسّهوب ، فأصبحت بالأهوال ، وأخا الشدّ والترحال ، كأنني خلقت من إقدام ، وولدت على صهوة أو سنام » « 1 » . ونجده في هذه الرسالة يصف مصر وصفا رائقا ، قل أن نراه عند غيره من الناثرين ، فيؤكد أن المدة التي قضاها بمصر لم تكن لائقة بمقامها ، فهو لم يكد يراها حتى خرج منها . يقول ابن الأثير : « هذا والنفس معلقة بمصر ، فإني لم أقم بها شيئا يمتع نظري ، ولا يذهب وعثاء سفري ، كأنها شوقتنى وما ذوقتنى ، وطالعتنى ثم قاطعتنى . ولقد شاهدت منها بلدا يشهد بفضله على كل البلاد . ووجدته على الحقيقة هو المصر وما عداه فهو السواد . فما راه راء إلا ملأ عينه وصدره ، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدره حق قدره . وبه من عجائب الآثار ما يضبط بالعيان ، فضلا عن الأخبار » « 2 » . وإذا كانت - مصر جنة اللّه في أرضه - قد أغرت ابن الأثير بأن ينضم إلى تلك الطائفة التي عشقتها ، فإنه يقرر الفرار خوفا من أن يبطش به العادل ، لأن إقامته بمصر - بين يدي العادل كاتبا - تستدعى منه الالتزام بما لم يتعوده في حياته . فهو يتدلل على صاحبه ومخدومه الأفضل ، ولا يستطيع أن يفعل مع الملك العادل مثلما كان يفعل مع الأفضل . فشبّه مقامه في مصر على هذه الحال بمن يمشى على الصراط . فكان قراره بالرحيل متخفيا ، فإن الإقامة على هذه الحال المظنون أنها جنة عند العادل جنون . ومن استبطان كلامه في هذه الرسالة نجده يؤكد عظيم خطئه لأنه وافق على أن يكون كاتبا لمدى العادل ، ولم يخرج مع صاحبه الأفضل . وأكد أنه رغم عشق مصر الذي تغلغل في وجدانه فإنه رأى « مفارقتها عين الاحتياط ، فما يفي طيب الجنة بروعة المشي على الصراط . ولئن ضلّ بها
--> ( 1 ) السابق الصفحة نفسها . ( 2 ) السّابق 1 / 114 و 115 .