عبد السلام محمد هارون ( اعداد )

55

نوادر المخطوطات

وافتتح درسا آخر في مسجد الحنفي ، وقرأ الشمائل في غير الأيام المعهودة بعد العصر ، فازدادت شهرته ، وأقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته ، لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم . ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم ، وعملوا من أجله ولائم فاخرة ، فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملى وكاتب الأسماء ، فيقرأ لهم شيئا من الأجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري أو الدارمي ، أو بعض المسلسلات ، بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده ( وبناته ونسائه من خلف الستائر ) ، وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم على النسق المعتاد ، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات ، واليوم والتاريخ ، ويكتب الشيخ تحت ذلك : « صحيح ذلك » . وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق كما رأيناه في الكتب القديمة . يقول الحقير : إني كنت مشاهدا وحاضرا في غالب هذه المجالس والدروس ، ومجالس أخر خاصة بمنزله ويسكنه القديم بخان الصاغة ، وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق وأماكن أخر كنا نذهب إليها للنزهة مثل غيط المعدية ( والأزبكية ) وغير ذلك . فكنا نشغل غالب الأوقات بسرد الأجزاء الحديثية وغيرها ، وهو كثير ، بثبوت المسموعات على النسخ وفي أوراق كثيرة موجودة إلى الآن . وانجذب إليه ( بعض الأمراء الكبار ) مثل مصطفى بيك الإسكندرانى ، وأيوب بيك الدفتردار ، فسعوا إلى منزله : وترددوا لحضور مجالس دروسه ، وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال ، واشترى الجواري ، وعمل الأطعمة للضيوف ، وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة . وحضر عبد الرزاق أفندي الرئيس من الديار الرومية إلى مصر وسمع به ، فحضر إليه والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريري ، فكان يذهب إليه بعد فراغه من درس شيخون ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية . ولما حضر محمد باشا عزت الكبير رفع شأنه عنده وأصعده إليه ، وخلع عليه فروة سمور ؛ ورتب له تعيينا من كلاره لكفايته ، من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز ، ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة ، وغلالا من الأنبار ، وأنهى إلى الدولة شأنه ، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة وقدره مائة وخمسون نصفا فضة في كل يوم وذلك في سنة 1191 فعظم أمره وانتشر صيته . وطلب إلى الدولة