عبد السلام محمد هارون ( اعداد )

131

نوادر المخطوطات

حين يريد أن يقول « أعوذ باللّه القوى من الشيطان الرجيم ، بسم اللّه الرحمن الرحيم » يقول : « أعوذ باللّه القوى ، من الشيطان الغوى ، بسم اللّه الفتاح المنان » . وإذا أراد أن يتلو سورة كاملة من الكتاب قرأ سورة الإخلاص لخلوّها جميعها من الراء . وحين يريد أن يقتبس من القرآن الكريم : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما » يقول : « لا يحويه زمان ولا يحيط به مكان ولا يئوده حفظ ما خلق » . وإذا أراد أن يقول : « لا يعزب عنه مثقال ذرة » قال : « مثقال حبة » ، وإذا أحب أن يقتبس من قوله تعالى : « أصبحوا لا ترى إلا مساكنهم « 1 » » قال : « أصبحوا لا نعاين إلا مساكنهم » . وإذا طلب أن يقول : « فبلغ رسالته » قال : « فبلغ مألكته » . . . . إلى كثير من أشباه هذا . والخطبة كذلك تقدم لنا نموذجا من خطب القرن الثاني الهجري ، من الخطب التي تجنّبت السياسة والدعوة السياسية ، وتجنّبت فتن المذاهب والدعوة المذهبية ، فهي نموذج لخطب الوعظ الخالص « 2 » . ابتدأها بحمد اللّه والثناء عليه « 3 » ، ثم ثنّى بالشهادتين في إسهاب طيّب ، وعقّب على ذلك بالصلاة على الرسول الكريم مثنيا عليه ، ثم حثّ على التقوى والطاعة ، ومال بعد ذلك إلى التحذير من مفاتن الدنيا والتهوين من شأن من أطاعتهم الدنيا وأغدقت عليهم ثم صاروا من بعد هاما وأحاديث . ثم دعا لنفسه والناس أن يكونوا ممن ينتفع بالموعظة الحسنة ، ثم نوّه بفضل القرآن وتلا ما تيسّر له منه ، بعد أن أجرى الاستعاذة والبسملة أيضا على أسلوبه الذي يجانب الراء .

--> ( 1 ) هذه إحدى القراءات في الآية ، وهي الخامسة والعشرون من سورة الأحقاف . انظر كتب القراءات والتفسير فيها . ( 2 ) كان واصل كما يروون على جانب من الزهد والتقوى ، روى له الجاحظ في البيان 3 : 196 قوله : « المؤمن إذا جاع صبر ، وإذا شبع شكر » . وروى صاحب الأغانى 3 : 40 : « كان واصل بن عطاء يقول : إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها ، لحبائل هذا الأعمى الملحد » ، يعنى بشارا وما كان يقول من غزل ومجون فاجر . ( 3 ) كان هذا أمرا محتما في كل خطبهم في ذاك العصر ، وكانوا يعدون الخطبة الخالية من هذا أمرا شنيعا ، حتى لقد سموا خطبة زياد التي لم يلتزم فيها ذلك خطبة بتراء .