عبد السلام محمد هارون ( اعداد )

122

نوادر المخطوطات

وهذه براعة عجيبة للجاحظ : أن يتجه فكره في عصره إلى مثل هذه الطريقة التي لم تشهر ولم يعرف الاتجاه إليها في البحوث اللغوية والأدبية إلا منذ عهد قريب : الجاحظ يعقد فصلا للثغة : هذه اللثغة الشنيعة التي كانت تقع لواصل ، هي أقوى الدوافع التي دعت الجاحظ - وهو الذي نصب نفسه مدرها للمتكلمين وللمعتزلة بوجه خاص ، أن يعقد في كتابه فصلا طويلا في اللثغة « 1 » يبين فيه أنها تقع في أربعة حروف ، وهي القاف والسين واللام والراء ، ولكلّ من هذه الحروف ضروب من اللثغ ولا سيما الراء فإن لها ضروبا أربعة ، إذ تقلب ياء كما يقال في عمر عمى ، أو عينا كما يقال عمغ ، أو ذالا فتقول عمذ ، أو ظاء فتقول عمظ ، ثم يخص ضربا لها خامسا بالذكر لا يصوّر بالكتابة ، وإنما سبيله المحاكاة والنطق ، وهذا الضرب هو الذي كان يعرض لواصل بن عطاء ، ولسليمان بن يزيد . قال الجاحظ في تلك اللثغة : « فليس إلى تصويرها سبيل » . وقد وجدت برهان الدين الوطواط في كتابه غرر الخصائص « 2 » يزعم أن لثغة واصل . كانت بالظاء أخت الطاء ، على حين لم يعيّن الجاحظ نوعها ، وكأنها كانت حرفا بين حرفين ، أو مزيجا من حروف . ولو كانت حرفا واحدا لعينه الجاحظ ، وهو من أقرب الناس به عهدا ، وأخبرهم به علما . شهرة لثغة واصل : قلت : إن لثغة واصل كانت أمرا متعالما ، ذكرها كلّ من ترجم له ، ونطقت بها آثار الشعراء . فهذا أبو محمد الخازن يقول من قصيدة مدح بها الصاحب إسماعيل بن عباد « 3 » :

--> ( 1 ) البيان : 34 - 37 . ( 2 ) غرر الخصائص ص 114 . ( 3 ) وفيات الأعيان ، ترجمة واصل ، وكذا مسالك الأبصار ، وقد سبقت الإشارة إليه .