أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب
30
كتاب عقلاء المجانين والموسوسين ( نوادر الرسائل 20 )
[ 17 - أبو نصر الجهني ينطق بالحكمة ويعظ الرشيد ] 17 - نا أحمد بن مروان المالكي ، نا محمّد بن عبد الرّحمن مولى بني هاشم ، نا مصعب بن عبد اللّه ، عن ابن أبي فديك ، أنّه قال « 1 » : كان ها هنا بالمدينة سنة سبع وثمانين رجل يكنى أبا نصر « 2 » ، من جهينة ، ذاهب العقل ، في غير ما النّاس فيه ، لا يتكلّم في شيء من أمر الدّنيا ، وكان يجلس مع أهل الصّفّة في آخر مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان إذا سئل عن الشّيء أجاب جوابا معجبا حسنا . قال ابن أبي فديك : فأتيته يوما وهو في مؤخّر المسجد مع أهل الصّفّة . منكّس رأسه ، واضع وجهه بين ركبتيه ، فجلست إلى جنبه ، فحرّكته فانتبه ، فأعطيته شيئا كان معي ، فأخذه وقال : قد صادف منّا حاجة ؛ فقلت له : يا أبا نصر ، ما الشّرف ؟ قال : حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها ، والقبول من محسنها ، والتّجاوز عن مسيئها . قلت : فما المروءة ؟ قال : إطعام الطّعام ، وإفشاء السّلام ، وتوقّي الأدناس ، واجتناب المعاصي صغيرها [ 5 أ ] وكبيرها . قلت : فما السّخاء ؟ قال : جهد المقلّ . قلت : فما البخل ؟ فقال : أفّ ؛ وحوّل وجهه عنّي ، فقلت له : لم تجبني بشيء . قال : بلى ، قد أجبتك . قال ابن أبي فديك : وقدم هارون أمير المؤمنين ، فأحبّ أن ينظر إليه ، فأخلي له مسجد الرّسول صلى اللّه عليه وسلم ، فوقف على قبر النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعلى منبره ، وفي موضع جبريل عليه السّلام ، ثم قال : قفوا بي على أهل الصّفّة حتّى أنظر إليه - يعني أبا نصر - ؛ فلمّا أتاهم ، حرّك هارون الرّشيد أبا نصر بيده ، فرفع رأسه وهارون واقف ؛ فقيل له : يا أبا نصر ، هذا أمير المؤمنين واقف عليك ؛ فرفع رأسه إليه ، فقال له : أيّها
--> ( 1 ) الخبر في : المجالسة 3 / 347 - 348 وعقلاء المجانين 201 وصفة الصفوة 2 / 199 والموفقيات 144 . ( 2 ) أبو نصر الجهني ، مدنيّ . ( عقلاء المجانين 201 وصفة الصفوة 2 / 199 ) .