أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني

8

التعازي ( نوادر الرسائل 18 )

ومن تلك العوامل تفرّغه لتلقّي العلم في صغره ونشأته ، وتفرّغه لنشر العلم في كهولته وشيخوخته ؛ فلم يذكر عنه أنّه كان منشغلا لمعيشته بأمر من أمور الدّنيا ؛ وقد بورك له في علمه - كما بورك له في عمره - إذ ترك مكتبة ضخمة من مؤلّفاته ، وتخرّج على يديه كبار علماء عصره . وانهالت عليه هبات المعجبين بعلمه ، كإسحاق الموصليّ وغيره ، ممّا جعله يعيش في ترف ماديّ اكتنفه في أواخر أيّامه . حدّث أحمد بن زهير بن حرب [ - ابن أبي خيثمة ] قال : كان أبي ويحيى ابن معين ومصعب الزّبيري ، يجلسون بالعشيّات على باب مصعب ؛ قال : فمرّ عشيّة من العشيّات رجل على حمار فاره ، وبزّة حسنة ، فسلّم ، وخصّ بمسائله يحيى بن معين ، فقال له يحيى : إلى أين يا أبا الحسن ؟ فقال : إلى هذا الكريم ، الذي يملأكمّي من أعلاه إلى أسفله دنانير ودراهم . فقال : ومن هو يا أبا الحسن ؟ فقال أبو محمّد إسحاق بن إبراهيم الموصلي . قال : فلمّا ولّى قال يحيى بن معين : ثقة ، ثقة ، ثقة . قال : فسألت أبي ، فقلت : من هذا الرّجل ؟ قال : المدائنيّ . وكان أن وضع اللّه له القبول في الأرض ، لما يقوله ويكتبه ؛ فلم ينقل إلينا أنّه خاصم أحدا ، أو ناقضه في قوله أحد ؛ فقد كان يحيى بن معين يوصي بكتابة كتب المدائني ؛ قال أحمد بن زهير : قال لي يحيى بن معين غير مرّة : اكتب عن المدائنيّ كتبه . وكان قوله محلّ ثقة ، ولو لم يكن له إسناد ؛ قال أبو قلابة : حدّثت أبا عاصم النّبيل بحديث ، فقال : عمّن هذا ، فإنّه حسن ؟ قلت : ليس له إسناد ، ولكن حدّثنيه أبو الحسن المدائنيّ . فقال لي : سبحان اللّه ، أبو الحسن إسناد .