عبد الغني المقدسي

32

حديث الإفك ويليه من مناقب النساء الصحابيات ( نوادر الرسائل 9 - 10 )

ذهبت وتوضّأت ، ورجعت فدخلت محفّتها ، فتوضع على البعير . فكان أوّل ما قال فيها المنافقون وغيرهم ممّن اشترك في أمر عائشة أنّها خرجت تتوضأ حين دنوا من المدينة ، فانسلّ من عنقها عقد لها من جزع أظفار « 1 » ، فارتحل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم والنّاس ، وهي في بغاء العقد ، ولم تعلم برحيلهم ، فشدّوا على بعيرها المحفّة وهم يرون أنّها فيها كما كانت تكون ؛ فرجعت عائشة إلى منزلها فلم تجد في المعسكر أحدا ، فغلبت [ 132 ا ] عيناها . وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ صاحب النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم تخلّف تلك اللّيلة عن العسكر حتى أصبح . قالت : فمرّ بي فرآني واسترجع ، فأعظم مكاني حين رآني وحدي ، وقد كنت أعرفه ويعرفني قبل أن يضرب علينا الحجاب . قالت : فسألني عن أمري ، فسترت وجهي عنه بجلبابي وأخبرته بأمري ، فقرّب بعيره ، فوطىء على ذراعه ، وولّاني قفاه حتى ركبت وسوّيت ثيابي ، ثم بعثه ؛ فأقبل يسير بي حتى دخلنا المدينة نصف النّهار أو نحوه ، فهنالك قال فيّ وفيه من قال من أهل الإفك ، وأنا لا أعلم شيئا من ذلك . ولا ممّا يخوض النّاس فيه من أمري ؛ وكنت تلك اللّيالي شاكية . وكان أوّل ما أنكرت من أمر النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يعودني قبل ذلك إذا مرضت ، وكان تلك اللّيالي لا يدخل عليّ ولا يعودني إلّا أنه يقول وهو مارّ : « كيف تيكم ؟ » فيسأل عنّي بعض أهل البيت . فلمّا بلغ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ما أكثر فيه النّاس من أمري غمّه ذلك ؛ وقد كنت شكوت قبل ذلك إلى أمّي ما رأيت من النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم من الجفوة ، فقالت لي : يا بنيّة ، اصبري ، فو اللّه لقلّما كانت امرأة حسناء يحبّها زوجها ، لها ضرائر ، إلّا رمينها . قالت : فوجدت حسّا « 2 » [ 132 ب ] تلك اللّيلة التي بعث النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى

--> ( 1 ) كذا في الأصل . والوجه إسقاط الألف . وكذا ورد في رواية لمسلم . ( 2 ) الحسّ : العلم بالحواس ، وهي مشاعر الإنسان كالعين والأذن . . . النهاية 1 / 384 .