عبد الغني المقدسي
22
حديث الإفك ويليه من مناقب النساء الصحابيات ( نوادر الرسائل 9 - 10 )
لقد علمت [ أنكم ] قد سمعتم [ بهذا ] حتى استقرّ في أنفسكم ، وصدّقتم به ، فلئن قلت : إنّي بريئة ، لا تصدّقوني بذلك ، ولئن اعترفت - واللّه يعلم أني بريئة - لتصدّقنّي ، واللّه ما أجد [ 125 ب ] لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف حين يقول : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ « 1 » . قالت : ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي ، واللّه يعلم حينئذ أنّي بريئة ، واللّه يبرئني ببراءتي ، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أن اللّه ينزّل في شأني وحيا ، ولشأني - كان - أحقر في نفسي من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمر يتلى ؛ ولكن قد كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيّ رؤيا في النّوم يبرّئني اللّه عزّ وجلّ بها . قالت : فو اللّه ما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل اللّه عزّ وجلّ عليه ، وأخذه ما كان يأخذه من البرحاء « 2 » ، حتى إنه ليتحدّر منه من العرق مثل الجمان ، وهو في يوم شات ، من ثقل القول الذي ينزل عليه . قالت : فسرّي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يضحك ، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال : « [ أبشري ] يا عائشة ، أمّا اللّه فقد برّأك » . قالت : فقال لي أبي : قومي إليه . قلت : واللّه لا أقوم إليه ، وإني لأحمد اللّه عزّ وجلّ ، [ هو الذي أنزل براءتي ] . قالت : وأنزل اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ « 3 » العشر الآيات . فلمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ هذا في براءتي قال أبو بكر الصّدّيق - وهو ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره - : واللّه لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة . فأنزل اللّه عزّ وجلّ : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ 126 ا ] « 4 » .
--> ( 1 ) يوسف 12 : 18 . ( 2 ) البرحاء : الشّدّة . القاموس . ( 3 ) النور 24 : 11 - 21 . ( 4 ) النور 24 : 22 .