محمد بن القاسم بن محمد بن بشار ابن الأنباري

26

مجلس من أمالي ابن الأنباري ( نوادر الرسائل 7 )

البريد ، وبين يدي محمد السّنديّ بن شاهك « 1 » فقال له : خذه فاحمله وجهّزه إلى أمير المؤمنين . فوكّل بي السّنديّ خليفته عبد الجبّار ، فجهّزني وحملني . فلمّا دخلت الرّقّة [ 141 ا ] أوصلت إلى الفضل بن الرّبيع ، فقال لي : لا تلقينّ أحدا ولا تكلّمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين ؛ وأنزلني منزلا أقمت فيه يومين أو ثلاثة ، ثم استحضرني فقال : جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين . فجئته ، فأدخلني على الرّشيد ، وهو جالس متفرّد ، فسلّمت ، فاستدناني ، وأمرني بالجلوس ، فجلست ؛ وقال لي : يا عبد الملك ، وجّهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إليّ ، قد أخذتا طرفا من الأدب ، أحببت أن تبور « 2 » ما عندهما ، وتشير عليّ فيهما بما هو الصّواب عندك . ثم قال : ليمض إلى عاتكة ، فيقال لها : أحضري الجاريتين . فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قطّ ، فقلت لأجلّهما : ما اسمك ؟ قالت : فلانة ، قلت : ما عندك من العلم ؟ قالت : ما أمر اللّه به في كتابه ، ثم ما ينظر النّاس فيه من الأشعار والآداب والأخبار . فسألتها عن حروف من القرآن ، فأجابتني كأنّها تقرأ الجواب من كتاب ؛ وسألتها عن النّحو والعروض والأخبار ، فما قصّرت . فقلت : بارك اللّه فيك ، فما قصّرت في جوابي في كلّ فنّ أخذت فيه ، فإن كنت تقرضين الشّعر فأنشدينا . فاندفعت في هذا الشعر : [ من الخفيف ] يا غياث العباد في كلّ محل * ما يريد العباد إلّا رضاك لا - ومن شرّف الإمام وأعلى - * ما أطاع الإله عبد عصاك ومرّت في الشعر إلى آخره . فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت امرأة في مسك « 3 » رجل مثلها . وفاتحت الأخرى فوجدتها دونها . فقلت : ما تبلغ هذه منزلتها ، إلّا أنها إن

--> ( 1 ) السندي بن شاهك ، أبو منصور ، ولي إمرة دمشق للمنصور ، وكان ذميم الخلق ، توفي ببغداد سنة 204 ه . ( الوافي بالوفيات 15 / 487 ) . ( 2 ) تبور : تختبر . القاموس . ( 3 ) مسك : جلد . القاموس .