أبو الحسن محمد بن الفيض الغساني
30
كتاب أخبار وحكايات ( نوادر الرسائل 5 )
فغدا عليه محمّد بن المبارك الصّوريّ « 1 » ، وسعيد الخيّاط ، وأبو هشام الخزّاز ، وكانوا زهّادا عبّادا ، فقالوا له : يا أبا الحسن ، ما هذا الّذي بلغنا أنّك قلته ؟ قال : وما هو ؟ قالوا : قلت : مجال قلوب العارفين بروضة * سماويّة من دونها حجب الرّبّ قال : لا ، قلت : من فوقها حجب الرّبّ . فقال لهم - وأنا أسمعه قوله لهم - : وأيّ فضيلة لها إذا كان من دون الحجب ؟ إنّما فضيلتها إذا خرّقت الحجب ، لأنّ القوم أخلصوا بالفكر ، فجالت فكرهم حتّى خرّقت الحجب ، فصارت بالرّوضة السّماويّة من فوق الحجب . فقالوا له : صدقت . 37 - وأنشدني أحمد بن صاعد لنفسه : [ من الطويل ] ألا ليت شعري هل يليق بقائل * يقول إذا ما اللّيل أنجمه تسري أيا من ترى جسمي ولحمي وأعظمي * ومن حبّه منّي ملا القلب والصّدر ومن لطفه ما لست أبلغ كنهه * ولا حدّه الأجزاء من عدد القطر ومن هو ربّاني وغذّى بلطفه * وجلّلني باللّطف والمنّ والسّتر وأنعشني من بعد ضعف وحيرة * وفهّمني من بعد أن كنت لا أدري وأنطقني من بعد عيّ ولكنة * وزحزح بالأعذار عن حجّتي عذري وعندي من مكنون ما خصّني به * مصون عظيم السّتر يا لك من ستر أصول به طورا وأفخر تارة * وأشرف أحيانا ويزهو به قدري وأختال في مشيي به ولأنه * رضيني له عبدا وأبسم عن ثغري ألا أين مثلي والسّموات كلّها * لديّ مع الأرضين والبرّ والبحر ألا أين مثلي والملائك جمّة * عبيد لربّي خاضعين لذي الكبر أقلّب طرفي في البلاد فلا أرى * سوى ملك مولاي لدى السّهل والوعر أراعي سواد اللّيل أنسا بسيّدي * وشوقا إليه غير مستكره الصّبر ولكن سرورا دائما وتعرّضا * وقرعا لباب الرّبّ ذي العزّ والقدر رضيت بعلم اللّه فيما أسرّه * من الحبّ للجبّار في القلب والصّدر
--> ( 1 ) ترجم ابن عساكر لرجلين يسمّى كل منهما : محمد بن المبارك الصوري ، وكلاهما زاهدان ، لا أدري هذا أيهما . ( مختصر تاريخ دمشق 23 / 204 - 206 ) .