أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي

54

كتاب هواتف الجنان ( نوادر الرسائل 3 )

فرجعت إليه ، فقلت له : استأسر ، ثكلتك أمّك . فوثب إليّ وثبة وهو يقول : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * . فكأني مثلت تحته . فقال : أقتلك أم أخلّي عنك ؟ فقلت : بل خلّ عنّي . قال : هيهات ! يا جارية ائتني بالمدية ، فأتته بالمدية ، فجزّ ناصيتي . وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزّت ناصيته استعبدته ؛ فكنت معه أخدمه مدّة ، ثم إنه قال : يا عمرو ، أريد أن تركب معي البرّيّة ، وليس بي منك وجل ، وإنّي ب « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * لواثق . قال : فسرنا حتّى أتينا واديا أشبا نشبا « 9 » ، مهولا مغولا ، فنادى بأعلى صوته : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * فلم يبق طير في وكره إلّا طار « 10 » ثم أعاد الصّوت فلم يبق سبع في مربضه إلّا هرب ، ثم أعاد الصّوت فإذا نحن بحبشيّ قد خرج علينا من الوادي كالنّخلة السّحوق ؛ فقال [ 32 ] لي : يا عمرو ، إذا رأيتنا قد اتّحدنا فقل : غلبه صاحبي ب « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * . قال : فلمّا رأيتهما قد اتّحدا ، قلت : غلبه صاحبي باللّات والعزّى ؛ فلم يصنع الشّيخ شيئا ؛ فرجع إليّ وقال : قد علمت أنّك خالفت قولي . قلت : أجل ، ولست بعائد . فقال : إذا رأيتنا اتّحدنا فقل : غلبه صاحبي ب « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * . قلت : أفعل . فلمّا رأيتهما قد اتّحدا قلت : غلبه صاحبي ب « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * . قال : فاتّكأ عليه الشّيخ فبعجه بسيفه ، فانشقّ جوفه ، فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ، ثم قال : يا عمرو ، هذا غشّه وغلّه ؛ ثم قال : أتدري من تلك الجارية ؟ قلت : لا . قال : تلك الفارعة بنت السّليل الجرهميّ ، وكان أبوها من خيار الجنّ ، وهؤلاء أهلها وبنو عمّها ، يغزوني منهم كل عام رجل ينصرني اللّه عليه ب « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * ، ثم قال : قد رأيت ما كان منّي إلى الحبشيّ ، وقد

--> ( 9 ) موضع أشب أي كثير الشجر . ( اللسان « أشب » 1 / 84 ) . ( 10 ) عبارة : إلا طار ثم . مكررة في الأصل ، وفوقها إشارة تضبيب .