أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي
48
كتاب هواتف الجنان ( نوادر الرسائل 3 )
لا يلتفت على أحد حتّى دخل « 6 » بنا الشّجر ، فإذا نيران تضطرم بغير حطب ؛ وإذا روؤس قد قطعت لها ضجّة ، ولألسنتها لجلجة شديدة ، وأصوات هائلة ؛ فتاللّه لقد أحسست برأسي قد انصرفت قشرته ، ووقعت شعرته ، ورجف قلبي حتّى لا أملك نفسي ؛ وعليّ يتخطّى تلك الرّوؤس ، ويقول : اتبعوني ولا خوف عليكم ، ولا يلتفت أحد منكم يمينا ولا شمالا . فجعلنا نتلو أثره حتّى جاوزنا الشّجر ووردنا الماء ، فاستقت السّقاة ، ومعنا دلو واحد ، فأدلاه البراء بن مالك « 7 » في البئر ، فاستقى دلوا أو دلوين ، ثم انقطع الدّلو فوقع في القليب ؛ والقليب ضيّق مظلم بعيد ، فسمعنا في أسفل القليب قهقهة وضحكا شديدا ، فراعنا ذلك . فقال عليّ : من يرجع إلى عسكرنا فيأتينا بدلو أو دلوين ؟ [ 26 ] فقال أصحابه : ومن يستطيع أن يتجاوز الشّجر مع ما رأينا وسمعنا ؟ . قال عليّ : فإنّي نازل في القليب ، فإذا نزلت فأدلوا إليّ قربكم . ثم اتّزر بمئزر ، ثم نزل في القليب ، وما تزداد القهقهة إلّا علوّا ؛ فوالذي نفس محمد بيده إنّه لينزل وما فينا أحد إلّا وعضداه يهتزّان رعبا . وجعل ينحدر في مراقي القليب ، إذ زلّت رجله فسقط في القليب ، فسمعنا وجبة شديدة ازددنا لها رعبا ؛ وجعلنا نسمع اضطرابا شديدا ، وغطيطا كغطيط المجنون . ثم نادي عليّ : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ؛ أنا عبد اللّه وأخو رسوله ، هلمّوا قربكم ، فدلّيناها إليه ، فأفعمها وعصّبها في القليب ، ثم أصعدها على عنقه شيئا شيئا عن آخرها . ثم حمل قربتين وحملنا نحن قربة قربة ، ومرّ بين أيدينا لا « 8 » يكلّمنا ، ولا
--> ( 6 ) في الأصل : ادخل . وفوق الألف إشارة تضبيب ، كأنه يشير إلى زيادتها . ( 7 ) البراء بن مالك بن النضر الأنصاري ، أخو أنس ، شهد المشاهد إلّا بدرا ، وله يوم اليمامة أخبار ، واستشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر . ( الإصابة 1 / 143 ) . ( 8 ) في الأصل : ولا .