خليل الصفدي
79
نكت الهميان في نكت العميان
قال الحافظ السلفي : أخبرني أبو محمد عبد اللّه بن الوليد بن غريب الأيادى ، أنه دخل مع عمه على أبى العلاء يزوره ، فرآه قاعدا على سجادة لبد ، وهو شيخ فان ، فدعا لي ومسح على رأسي . قال : وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما نادرة والأخرى غائرة جدا ، وهو مجدور الوجه نحيفه . وقال أبو منصور الثعالبي : وكان حدثني أبو الحسين الدلفى المصيصي الشاعر ، وهو ممن لقيته قديما وحديثا في مدة ثلاثين سنة . قال : لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب ، رأيت أعمى شاعرا ، ظريفا ، يلعب بالشطرنج والنرد ، ويدخل في كل فن من الجد والهزل ، يكنى أبا العلاء ، وسمعته يقول : أنا أحمد اللّه على العمى كما يحمده غيرى على البصر . انتهى . وقال المعرى الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة ، ورحل إلى بغداد ، ثم رجع إلى المعرة ، وكان رحيله إليها سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة . وأقام ببغداد سنة وسبعة أشهر . وقصد أبا الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي ليقرأ عليه ، فلما دخل عليه قال : ليصعد الاسطبل ، والاسطبل في لغة أهل الشام الأعمى ، فخرج مغضبا ولم يعد إليه . ودخل على المرتضى أبى القاسم فعثر برجل ، فقال : من هذا الكلب ؟ فقال أبو العلاء : الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما ، فقربه المرتضى وأدناه واختبره ، فوجده عالما مشبعا بالفطنة والذكاء ، فأقبل عليه إقبالا كثيرا . وكان المعرى يتعصب لأبى الطيب كثيرا ويفضله على بشار وأبى النواس وأبى تمام ، والمرتضى يبغضه ويتعصب عليه ، فجرى يوما ذكره فتنقصه المرتضى وجعل يتتبع عيوبه ، فقال المعرى : لو لم يكن للمتنبى من الشعر إلا قوله : لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فضلا وشرفا ، فغضب المرتضى وأمر به ، فسحب برجله وأخرج من مجلسه ، وقال لمن بحضرته : أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر هذه القصيدة ؟ فإن لأبى الطيب ما هو أجود منها لم يذكرها ، فقيل : السيد النقيب أعرف ، فقال : أراد قوله : وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأنى كامل