خليل الصفدي

44

نكت الهميان في نكت العميان

مسلك واجب الشرع أو جائزه . ومنها : القاضي الأعمى : الصحيح من المذهب أنه لا يجوز أن يكون القاضي أعمى . وفيه وجه في « جمع الجوامع » للرويانى اختاره القاضي شرف الدين بن أبي عصرون ، رحمه اللّه تعالى ، وصنّف فيه جزء ، واستمر على القضاء لما عمى . حجة الجمهور أنه لا يعرف الخصوم ولا الشهود ، وحجة من جوّز أن شعيبا ، عليه السلام ، كان أعمى ، فالقاضي بطريق أولى ؛ لأن النبي أشرف من القاضي . وقيل : إن شعيبا ، عليه السلام ، لم يثبت عماه ، ولئن سلمنا عماه فإن الذين آمنوا معه كانوا قليلين ، فربما أنهم كانوا لا يحتاجون إلى التحاكم بينهم ، سلمنا أنهم احتاجوا إلى التحاكم ، لكن الوحي ينزل عليه بالحق في فصل القضايا ، ولا كذلك القاضي ، فلو عمى القاضي بعد سماع البينة وتعديلها هل ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة ؟ فيه وجهان ، أحدهما لا ؛ لأنه انعزل بالعمى . ومنها : المذهب أنه لا تقبل شهادة الأعمى إلا في موضعين : أحدهما : أن يقول له إنسان في أذنه شيئا فيعلقه ويحمله إلى القاضي فيشهد بما قاله ، وقيل : لا تقبل في هذه الحالة أيضا . قال القاضي : ومحل الخلاف ما إذا جمعهما مكان خال وألصق فمه بخرق أذنه وضبطه ، فلو كان هناك جماعة وأقرّ في أذنه لم تقبل . والثاني : فيما يشهد فيه بالاستفاضة كالموت والنسب ؛ لأن الشهادة إذا كانت على ذلك لم يؤثر فيها فقد البصر . وقال المحاملي : في قبول شهادته والحالة هذه نظر من جهة أن المخبرين لا بد وأن يكونوا عدولا ، والأعمى لا يشاهدهم ، فلا يعرف عدالتهم . وقال القاضي أبو الطيب : كلام الأصحاب محمول على ما إذا سمع ذلك في دفعات مختلفة مع قول مختلفين في أزمان مختلفة حتى يصير لا شك فيه لكثرة تكراره على سمعه ، ويصير بمنزلة التواتر عنده ، ولا يجوز التحمل إلا على هذا الوجه . وقال الشيخ أبو علي : كلامهم في شهادته بالنسب يتصور فيما إذا كان الشخص معروف النسب من جهة أبيه وأجداده ، وليس تعرف نسبته إلى قبيلة معينة ، فيشهد أن فلان بن فلان من بنى فلان ، فتثبت هذه الشهادة من الأعمى ، فإنه نسب لا يحتاج إلى الإشارة ، دون ما إذا نسب شخصا إلى شخص ، فإنه لا يجد إلى ذلك سبيلا . وقد أضاف الأصحاب ، رحمهم اللّه تعالى ، إلى الصورتين صورة ثالثة ، وهي سماع شهادته في الترجمة