خليل الصفدي
33
نكت الهميان في نكت العميان
المقدمة السادسة قال حذاق الأصوليين : إن العمى لا يجوز على الأنبياء ؛ لأن مقام النبوة أشرف من ذلك ، ومنعوا من عمى شعيب وإسحاق ، وقالوا : لم يرد بذلك نص في القرآن العظيم ليكون العلم بذلك قطعيا ، وأورد عليهم قصة يعقوب ، عليه السلام : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ [ يوسف : 84 ] فهذا صريح ، وقوله تعالى : فَارْتَدَّ بَصِيراً [ يوسف : 96 ] ، وبياض العين لا يكون إلا بذهاب السواد ، ومتى فقد السواد حصل العمى ، والارتداد لا يكون إلا عودا إلى الحالة الأولى ، والحالة الأولى كان فيها بصيرا ، فدلّ على أن الحالة التي ارتد عنها كان فيها أعمى . وأجاب المانعون بأن قوله : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ [ يوسف : 84 ] كناية عن غلبة البكاء وامتلاء العين بالدموع ، كما قال الشاعر : وقفت كأني من وراء زجاجة * إلى الدار من فرط الصبابة أنظر فعيناى طورا تغرقان من البكا * فأغشى وطورا يحسران فأبصر فهذا الشاعر ادعى أن عينيه إذا غرقتا من البكاء صار أغشى فلا يرى بهما شيئا ، وإذا غدرت الدموع عاد إلى الإبصار . وقوله : « من وراء زجاجة » كناية عن غلبة الدموع ؛ لأن الدموع تكون بجمودها في عينه كالزجاجة التي تغطي بصره ، وهي متى كانت كذلك كانت بيضاء . فهذا مثل قوله تعالى : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ [ يوسف : 84 ] ، فلا يدل ذلك على العمى قطعا ، وقوله تعالى : فَارْتَدَّ بَصِيراً [ يوسف : 96 ] ، ذهب جماعة من المفسرين إلى أنه كان قد عمى بالكلية . وقالت جماعة : بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان ، فلما ألقوا القميص وبشروه بحياة يوسف ، عليه السلام ، عظم فرحه ، وانشرح صدره ، وزالت أحزانه ، فعند ذلك قوى ضوء بصره ، وزال النقصان عنه ، وهذا الذي يليق بجناب النبوة المعظمة ، وهو أن يكون النبي سليم الأعضاء ، صحيح الجوارح ، كامل الخلق ، بريئا من العاهات ، معتدل المزاج . ومن هنا قال الفقهاء : لا يجوز أن يكون الإمام أعمى . والصحيح من مذهب الشافعي ، رضى اللّه عنه ، أن القاضي لا يكون أعمى . وفي المذهب وجه في جوازه مبنى على أن عمى شعيب وغيره من الأنبياء صحيح . قيل : ومقام النبوة أشرف من مقام القضاء . فصل « 1 » .
--> ( 1 ) هكذا ورد في النسخ الثلاثة ، وكتب بالهامش ما يفيد أنه يوجد في الأصل بياض قدر صحيفتين .