خليل الصفدي
255
نكت الهميان في نكت العميان
ودخل يوما إلى المتوكل ، فقدم إليه طعاما ، فغمس أبو العيناء لقمته في خل كان حامضا ، فأكلها وتأذى بالحموضة ، وفطن المتوكل فجعل يضحك ، فقال : لا تلمني يا أمير المؤمنين ، فقد محت حلاوة الإيمان من قلبي . وقيل لأبى العيناء : لم اتخذت خادمين أسودين ؟ قال : أما أسودان فلئلا اتهم بهما ، وأما خادمين فلئلا يتهما بي . وقال ابن مكرم له يوما : أحسبك لا تصوم شهر رمضان ، فقال : ويلك ، وتدعني امرأتك أصوم . وقال أبو العيناء : مررت يوما في درب بسرّ من رأى ، فقال لي غلامي : يا مولاي ، في الدرب حمل سمين والدرب خال ، فأمرته أن يأخذه وغطيته بطيلسانى ، وصرت به إلى منزلي ، فلما كان من الغد جاءتني رقعة من بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها : جعلت فداك ، ضاع لنا بالأمس حمل ، فأخبرني صبيان دربنا أنك أنت أخذته ، فأمر برده متفضلا ، فكتبت إليه : يا سبحان اللّه ، ما أعجب هذا الأمر ، مشايخ دربنا يزعمون أنك بغاء وأكذبهم أنا ولا أصدقهم ، وتصدق أنت صبيان دربك أنى أخذت الحمل ، قال : فسكت وما عاودنى . وأكل يوما عند بعض أصحابه طعاما وغسل يده عشر مرات ولم تنق ، فقال : كادت هذه القدر تكون نسبا وصهرا . وقال يوما لابن ثوابة : إذا شهدت على الناس ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون شهد عليك أنتن عضو فيك . ودق عليه إنسان الباب ، فقال : من هذا ؟ قال : أنا والدق سواء . وقال ابن مكرم يوما : كان ابن الكلبي صاحب البريد يحب أن يشم الخرى ، فقال أبو العيناء : لو رآك لترشفك . وسأل إبراهيم بن ميمون حاجة فدفعه عنها واعتذر إليه ، وحلف له أنه صدقه ، فقال : واللّه لقد سرني صدقك لعوز الصدق عنك ، فمن صدقه حرمان كيف يكون كذبه . ولقيه بعض الكتّاب في السحر ، فقال متعجبا منه ومن بكوره : أبا عبد اللّه ، أتبكر في مثل هذا الوقت ؟ فقال له : أتشاركني في الفعل وتنفرد بالتعجب . واعترضه يوما أحمد بن سعيد فسلم عليه ، فقال له أبو العيناء : من أنت ؟ قال : أنا