خليل الصفدي

201

نكت الهميان في نكت العميان

فقرى الوحش من عظامي ولحمي * وسقى الأرض من دمى المهراق فعلى من تركته من قريب * وبعيد تحية المشتاق وكان قد جرى في بعض الأيام في مجلس أبيه قول الشاعر : لئن كففت وإلا * شققت منك ثيابي فأصغى أبو الفتح وقال في الوقت : يا مولعا بعذابى * أما رحمت شبابي تركت قلبي تيها * نهب الأسى والتصابى إن كنت تنكر ما بي * من ذلتى واكتآبى فارفع قليلا قليلا * عن العظام ثيابي ومن شعره : ما زلت في سكرى ألمع كفها * وذراعها بالقرص والآثار حتى تركت أديمها وكأنما * غرس البنفسج فيه بالجمار قال الثعالبي : كنت يوما عند أبي الفتح بن العميد في يوم شديد الحر ، فقال لي : ما قول الشيخ في قلبه ؟ فلم أفطن لما أراده ، فلما كان بعد قليل أتى من استدعانى إلى مجلس أبيه ، فلما مثلت بين يديه تبسم وقال لي : ما قول الشيخ في قلبه ؟ فبهت وسكت وما زلت أفكر حتى تنبهت على أنه أراد الخيش ؛ لأنه كان على أبى الفتح ولده من جهة والده من يطالعه بأخباره ، فكتب إلى أبيه في تلك الساعة بتلك اللفظة ، وكتب إلى والده : أنه كتب الليلة إلى فلان يستدعى منه بشراب ونقل ومشموم ، فدس أبوه إلى ذلك الرجل من يأتيه بنفس الورقة التي بخط ابنه ، فأتاه بها ، فإذا فيها بعد البسملة : قد اغتنمت الليلة أطال اللّه بقاء سيدي ومولاي رقدة من عين الدهر ، وانتهزت فيها فرصة من فرص العمر ، وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا ، فإن لم تحفظ علينا النظام عدنا كبنات نعش والسلام ، فاستطير أبوه فرحا وإعجابا بهذه الرقعة ، وقال : الآن ظهر لي أثر براعته ، ووقع له بألفي دينار ، وأنشد وهو في آخر حاله في الحبس : راعوا قليلا فليس الدهر عبدكم * كما تظنون فالأيام تنتقل [ 177 ] - علي بن محمد بن خلف ، الإمام أبو الحسن المعافري القروي القابسى المالكي :

--> ( 177 ) - علي بن محمد بن خلف . انظر : الإكمال لابن ماكولا ( 6 / 380 ) ، وترتيب المدارك -