خليل الصفدي
156
نكت الهميان في نكت العميان
لأن ملأ قريش تعاقدوا على ذلك وسلموه إليه ، وكانوا له أعوانا . وكان العباس ممن خرج مع المشركين يوم بدر ، فأسر مع جملة الأسرى وشد وثاقهم ، فسهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم ، فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبي اللّه ؟ فقال : « أسهر لأنين العباس » ، فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما لي لا أسمع أنين العباس ؟ » ، فقال الرجل : أنا أرخيت وثاقه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فافعل ذلك بالأسرى كلهم » . قال ابن عبد البر : أسلم العباس قبل فتح خيبر ، وكان يكتم إسلامه ، وذلك بيّن في حديث الحجاج بن علاط أنه كان مسلما يسره ما فتح اللّه على المسلمين ، ثم أظهر إسلامه يوم الفتح ، وشهد حنينا ، والطائف ، وتبوك ، وقيل : إن إسلامه قبل بدر . وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان المسلمون بمكة يتقوّون به . وكان يحب أن يقدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن مقامك بمكة خير » ، فلذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من لقى منكم العباس فلا يقتله ، فإنه أخرج كرها » . وكان العباس أنصر الناس لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أبي طالب . وحضر مع النبي صلى اللّه عليه وسلم العقبة يشترط له على الأنصار ، وكان على دين قومه يومئذ ، وفدى عقيلا ونوفلا ابني أخويه أبى طالب والحارث وغيرهم من ماله . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكرم العباس ويجله ويعظمه بعد الإسلام ، ويقول : « هذا عمى صنو أبى » . وكان العباس جوادا ، مطعما ، وصولا للرحم ، ذا رأى حسن ، ودعوة مرجوة ، ولم يمر بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا إجلالا له ، ويقولون : عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولما أقحط أهل الرّمادة ، وذلك سنة سبع عشرة ، قال كعب لعمر : يا أمير المؤمنين ، إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وصنو أبيه ، وسيد بني هاشم ، فمشى إليه عمر فشكا إليه ما الناس فيه ، ثم صعد المنبر ومعه العباس ، فقال : اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنو أبيه ، فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . ثم قال عمر : يا أبا الفضل ، قم فادع ، فقال العباس بعد حمد اللّه والثناء عليه : اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء ، فانشر السحاب ثم أنزل الماء فيه علينا ، فاشدد به الأصل ، وأطل به الفرع ، وأدرّ به الضرع ، اللهم ! إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب ، ولم تكشفه إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك فاسقنا الغيث ، اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا ، اللهم اسقنا سقيا وادعا نافعا طبقا سحا عاما ، اللهم لا نرجو إلا إياك ، ولا ندعو غيرك ، ولا نرغب إلا إليك ، اللهم إليك جوع كل جائع ، وعرى كل